تعتبر الشوارع وخصوصاً القديمة منها ذاكرة متخمة بمئات القصص والأحداث، لقد استوعبت بعد فترة من الزمن حالة الحزن أو الفرح التي شعر بها من ساروا معي في شوارع يعرفونها، وأطلقوا فيها زفرات ساخنة وهم يستعيدون فيها شريطاً مليئاً بذكريات عاشوها قبل عشرات السنين، وأدركت أن كل ما يقع على ضفتي الشارع قابل للتغيير إلا الشوارع نفسها فهي باقية وتتمدد.
لقد تبدلت الأدوار وبدأت تلك الحالة تصيبني في الشوارع التي أعتبرها خاصة بي، إلا أنها بالنسبة لي مصدر فرح وبهجة كلما مررت بها، لأنها أولاً مازالت باقية، وثانياً لأنني مازلت قادراً على تذكر يومياتي فيها، لا بل إن الأمر تطور وصرت أسيراً في بعضها، لأن علاقتي بها صنعت سيراً على الأقدام، وتلك أعتبرها الرابطة الأقوى مع تلك الشوارع، الأجمل أن العلاقة مع بعض الشوارع قد تمتد لتشمل دولاً أخرى قضى فيها البعض فترات طويلة للدراسة أو السياحة.
وفي مكونات المدن العتيقة، تبقى الشوارع أكثر من مجرد منافذ للإنسان والسيارات والدراجات الهوائية، هي تعمل كشرايين الحياة وهي الشاهد الصامت على تحولات الناس والأزمنة، وبينما تتغير الأنظمة وتنهار الحضارات وتنهض تبقى معالم الشوارع الأساسية شاهداً على ما مضى.
ولو دققنا في أحاديثنا وفي أجمل أعمال السرد التاريخي لوجدنا الشوارع حاضرة تحتل مكانة عالية في قدراتها على تخزين الذاكرة الجمعية للمدن وكأنها متاحف حية وأهميتها لا تقل عن أهمية المخطوطات والبرديات وكل الآثار، لذلك بقيت روح باريس في شوارعها اللاتينية، وبقيت القاهرة الفاطمية تعيش في شوارعها الضيقة، وبقيت كيفان القديمة عندي في شارع منى ولكل منا شارعه كيفما شاء.
وبالرغم من هذا الثبات النسبي، تواجه الشوارع التاريخية حتى الجديدة منها تحديات التوسع العمراني والتغيير المتواصل لأسمائها، وتزداد الخطورة مع تزايد تفضيل الناس للتواصل الافتراضي على التواصل المباشر على الأرض مما يضعف العلاقة الدافئة بين الإنسان وشارعه، ويؤدي إلى تآكل الذاكرة الجمعية المرتبطة بتلك الأماكن.
في الختام، وضمن جهود حماية التراث غير المادي، تبرز أهمية توثيق تاريخ الشوارع التاريخية ووضعها تحت الحماية، وتشجيع المهتمين على توثيق قصص شوارعهم للحفاظ على هذا الإرث الثمين.