تأتي الذكرى الخامسة والأربعون لقيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فتبعث في النفس خاطراً من الاعتزاز، وتستدعي إلى الذاكرة صفحةً من صفحات الحكمة السياسية التي لا تُكتب بالمداد وحده، بل تُكتب كذلك ببصائر الرجال، ونفاذ الرأي، وبُعد النظر. فما كان هذا المجلس وليدَ نزوةٍ عابرة، ولا ثمرةَ حماسةٍ مؤقتة، ولكنه كان جواباً رشيداً عن سؤال المرحلة، واستجابةً واعيةً لنداء الجغرافيا والتاريخ والمصير.
ففي الخامس والعشرين من مايو سنة 1981م التأمت إراداتُ قادة الخليج على أمرٍ جامع، بعد أن أدركوا أن الوشائج التي تصل هذه البلدان ليست وشائج طارئة تستحدثها المصالح، بل هي أواصر ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، يجمعها دينٌ واحد، ولسانٌ واحد، وميراثٌ حضاريٌّ واحد، وآمالٌ تتشابه كما تتشابه التحديات. فكان مجلس التعاون ترجمةً عمليةً لهذا الإدراك، وصياغةً مؤسسيةً لمعنى الأخوّة الذي ظل زمناً طويلاً قائماً في الوجدان.
ومضت الأعوام، وتعاقبت الأحداث، وتبدّلت وجوهٌ من السياسة والاقتصاد، غير أن هذا الكيان بقي ثابتَ الدعائم، راسخَ الأركان، كأنما أُقيم على صخرةٍ من العزم لا تنال منها العواصف، ولا تزعزعها النوازل.
ولم يكن المجلس دارَ اجتماعاتٍ تُستهلّ بالخطب وتُختتم بالبيانات، وإنما كان ميدانَ عملٍ تجلّت آثاره في الأمن والاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية وسائر مرافق الحياة.
ولقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية من الأحداث ما لو نزل ببعض الكيانات الناشئة لأوهى بنيانها، وأضعف سلطانها، غير أن مجلس التعاون أثبت أن الكيانات التي تقوم على المصالح المتكاملة والرؤية المشتركة تزداد مع المحن صلابةً، ومع التحديات خبرةً ونضجاً. فكل أزمةٍ مرّت كانت امتحاناً، وكل امتحانٍ كان شاهداً جديداً على حيوية هذا المجلس وقدرته على التكيّف والبقاء.
ومن تأمل مسيرته أدرك أن أعظم ما حققه لا يُقاس بالأرقام وحدها، وإن كانت الأرقام شاهدةً له، وإنما يُقاس بما رسّخه في الوعي الخليجي من معنى المصير المشترك، وما بثّه في النفوس من يقينٍ بأن التعاون ليس ترفاً سياسياً، ولا خياراً يُلجأ إليه عند الحاجة، بل هو ضرورةٌ تمليها حقائق الجغرافيا، وتقتضيها سنن التاريخ.
واليوم، ونحن نقف على أعتاب عامٍ جديد من أعوام هذه المسيرة، فإن الذكرى لا تدعونا إلى اجترار الأمجاد بقدر ما تدعونا إلى استكمال البناء. فالعالم من حولنا يموج بالتحولات، وتتسارع فيه المنافسات، ولن يكون المستقبل حليفاً إلا لمن أحسن الإعداد له، وأخذ بأسبابه، وجعل من وحدته مصدر قوةٍ ومن تكامله سبيل نهضة.
خمسةٌ وأربعون عاماً مضت، وما يزال مجلس التعاون شاهداً على أن الحكمة إذا اقترنت بالإرادة أثمرت، وأن التعاون إذا أُحكمت عُراه دام نفعه، وأن الأمم لا تبلغ شأوها بالأماني، وإنما تبلغه حين تجعل من التآزر منهاجاً، ومن العمل المشترك سبيلاً، ومن استشراف المستقبل عقيدةً لا تحيد عنه.