في خضم التصعيد الإقليمي والحرب المفتوحة مع إسرائيل، تبدو إيران، في نظر قطاع واسع من الرأي العام العربي، قوة تقف في وجه المشروع الصهيوني، وتدعم قوى المقاومة في أكثر من ساحة. هذه الصورة، على جاذبيتها، لا تُلغي طبقات أعمق من التعقيد في فهم السلوك الإيراني، ولا تفسّر وحدها أسباب القلق المتجذِّر في البيئة العربية والإسلامية تجاه طهران. فالمعادلة هنا ليست صراعاً ثنائياً بسيطاً، بل تداخل بين عقيدة ثورية، وهوية قومية، وحسابات نفوذ، أنتجت عبر عقود حالة من «الضدية الاستراتيجية» مع الجوار، رغم وجود عدو مشترك (إسرائيل).
عقيدة الثورة وحدودها
منذ عام 1979، تأسست الجمهورية الإسلامية على مبدأ «تصدير الثورة»، بوصفه ركيزة دستورية وفكرية، لا مجرَّد شعار مرحلي. هذا المبدأ، كما تشير الأدبيات الرسمية، لا يُختزل في دعم قوى مقاومة، بل يمتد إلى بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، وتتشكَّل بيئات سياسية وأمنية متماهية مع الرؤية الإيرانية. وقد انعكس ذلك في ساحات متعددة، من العراق إلى لبنان وسورية واليمن.
هذا البُعد العقائدي يمنح السياسة الإيرانية طابعاً يتجاوز الواقعية التقليدية في العلاقات الدولية، ويجعلها أقرب إلى مشروع طويل الأمد لإعادة تشكيل المجال الحيوي المحيط بها. ومن هنا يتشكَّل القلق العربي: ليس من مبدأ دعم فلسطين، بل من الآليات المصاحبة له، والتي قد تُفسَّر كتدخُّل في البنى الداخلية للدول، أو إعادة ترتيب للتوازنات المجتمعية والسياسية على أُسس مذهبية.
بين الهوية المذهبية والبُعد القومي
لا يمكن فهم إيران من دون إدراك التداخل بين البُعد الديني والبُعد القومي. فالرؤية التي تطرح نفسها حاميةً لمدرسة أهل البيت تحمل، في عُمقها، تصوراً لدور قيادي في العالم الإسلامي. هذا التصور، حين يقترن بإرث قومي فارسي عريق، يُنتج خطاباً مزدوجاً: ديني في ظاهره، وقومي في بنيته العميقة.
هذا الخليط يمنح المشروع الإيراني قدرة على التعبئة والاستمرارية، لكنه في الوقت ذاته يثير حساسية لدى مجتمعات عربية ترى في نفسها مركزاً تاريخياً وثقافياً للعالم الإسلامي. وعندما تتقاطع الدعوة المذهبية مع طموح النفوذ، تتولَّد مخاوف من إعادة إنتاج هرمية قيادية لا تعبِّر عن التوازن الطبيعي بين الشعوب الإسلامية.
العداء مع إسرائيل: حقيقة وحدود
لا شك في أن العداء بين إيران وإسرائيل قائم، ويتجلَّى في الخطاب والسياسات والدعم العسكري غير المباشر، وأخيراً في الحرب الدائرة المباشرة، غير أن اختزال المشهد في هذا البُعد وحده قد يحجب جوانب أخرى. فالتاريخ الحديث يُظهر أن الصراعات الإقليمية ليست دائماً في إطار مع أو ضد، وأن اللاعبين الكبار قد يديرون تناقضاتهم ضمن حدود معيَّنة، من دون أن يمنع ذلك من تنافسهم في ساحات أخرى.
الإشارة إلى هذا التعقيد لا تعني التقليل من حقيقة المواجهة، بل وضعها في سياقها الأوسع. فإيران، وهي تخوض صراعاً مع إسرائيل، تُدير في الوقت نفسه علاقات متشابكة مع قوى دولية، وتوازن بين أولوياتها الداخلية والخارجية. وهنا يظهر السؤال العربي المشروع: هل تتقدَّم أولوية المواجهة مع إسرائيل على حساب استقرار الجوار؟ أم أن إدارة الصراع تتم بطريقة تُبقي ساحات عربية مفتوحة لتجاذبات إقليمية؟
تجارب الجوار وتراكم الشكوك
التجربة العملية في عددٍ من الدول العربية أسهمت في ترسيخ الشكوك. ففي العراق بعد 2003 وهنا نتحدَّث عن توافق أميركي- إيراني للنفوذ، وفي دعم سورية الأسد بعد 2011، وفي لبنان (حزب الله) واليمن بدرجات مختلفة، ارتبط الحضور الإيراني، سياسياً أو عسكرياً، بإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية. وقد يرى أنصار طهران في ذلك دعماً لحلفاء شرعيين، لكن خصومها يقرأونه كتمددٍ على حساب السيادة الوطنية.
وهنا نؤكد أن أخطاء إيران في إدارة هذه الملفات ليست موضع خلاف كبير، وأنها أسهمت في خلق بيئات توتر مزمنة. هذه التراكمات لا تُمحى بسهولة، حتى في ظل مواجهة مشتركة مع إسرائيل، لأنها تمسّ عُمق الاستقرار الاجتماعي والسياسي للدول المعنية.
اللحظة الإقليمية: فرصة لإعادة التموضع
الحرب الحالية، وما رافقها من إعادة اصطفاف إقليمي، تفتح نافذة نادرة لإعادة التفكير. فالدول العربية، رغم اختلافاتها، باتت تميل إلى منطق الدولة الوطنية القوية، والتنمية الاقتصادية، وتقليل الاعتماد على الصراعات المفتوحة. وفي المقابل، تحتاج إيران، إذا أرادت كسب ثقة الجوار، إلى مراجعة أدواتها، لا شعاراتها فقط.
الرسالة التي يمكن أن تُبنى في هذه المرحلة بسيطة في صياغتها، عميقة في أثرها: أن أمن إيران لا يتحقق عبر توسيع دوائر النفوذ في محيط قلق، بل عبر بناء منظومة إقليمية قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التدخل. وهذا يقتضي تهدئة واضحة لمبدأ «تصدير الثورة»، أو على الأقل إعادة تفسيره ضمن حدود السيادة الوطنية للدول.
طمأنة الجوار: من الخطاب إلى الممارسة
الطمأنة لا تتحقق بالتصريحات، بل بالسياسات. ويمكن هنا تصوُّر مسارات عملية: تقليص الحضور العسكري غير المباشر في بعض الساحات، ودعم مسارات سياسية داخلية غير مرتهنة، والقبول بتوازنات محلية لا تكون فيها طهران اللاعب المهيمن. كذلك، فإن الانفتاح الاقتصادي الحقيقي مع دول الخليج، وربط المصالح بالتنمية المشتركة، قد يخلق شبكة مصالح تُخفف من منطق الصراع وتبدد عدم الثقة.
هذه الخطوات، إذا تحققت، فلن تُضعف إيران كما قد يُتصوّر، بل على العكس، ستمنحها شرعية إقليمية أوسع، وتحوّلها من لاعب مثير للجدل إلى شريك محتمل في استقرار المنطقة.
العالم العربي: بين الحذر والبراغماتية
في المقابل، لا يمكن إغفال مسؤولية الدول العربية في إدارة هذه العلاقة. فالمبالغة في شيطنة إيران قد تغلق أبواباً للحوار، كما أن التساهل المفرط قد يفتح ثغرات في الأمن الوطني. المطلوب هو توازن دقيق: الاعتراف بالمصالح المشتركة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مع الحفاظ على خطوط حمراء واضحة تتعلق بالسيادة وعدم التدخل.
هذا التوازن يحتاج إلى مؤسسات إقليمية أكثر فاعلية، وإلى خطاب سياسي يبتعد عن التحريض المذهبي، ويركز على بناء منظومة أمن جماعي. فالصراعات الطائفية، كما أثبتت التجربة، هي الوقود الأسهل لإشعال المنطقة، والأصعب في الإطفاء.
فلسطين كقضية جامعة... ولكن
تبقى فلسطين العامل الجامع الذي يمكن أن يُعيد ترتيب الأولويات. فإذا تحوَّلت القضية إلى ساحة تنافس بين مشاريع إقليمية، فإنها تفقد جزءاً من رمزيتها، وتصبح أداة في صراعات أكبر. أما إذا جرى التعامل معها كقضية تحرر وطني تتطلب تنسيقاً عربياً وإسلامياً حقيقياً، فقد تكون مدخلاً لإعادة بناء الثقة.
من هنا، فإن أي دور إيراني في هذا الملف سيكون أكثر قبولاً إذا جاء ضمن إطار جماعي يشمل تركيا وباكستان لا أحادي، ويحترم خصوصية الساحات العربية، ويبتعد عن فرض نماذج سياسية أو عسكرية بعينها.
خلاصة: من الصراع إلى التعايش الممكن
الضدية الاستراتيجية بين إيران والعالم العربي ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة مسار طويل من السياسات المتبادلة، وسوء الفهم، وتضارب المصالح. اليوم، وفي ظل تحولات دولية وإقليمية عميقة، تتوافر فرصة لإعادة صياغة هذه العلاقة على أُسس جديدة.
إذا استطاعت إيران أن تُعيد تعريف دورها من «مصدّر للثورة» إلى «شريك في الاستقرار»، وإذا نجحت الدول العربية في بناء موقف موحَّد متوازن، فإن المنطقة قد تنتقل من حالة الاستنزاف إلى حالة البناء. وعندها فقط، يمكن أن يُصبح الحديث عن تراجع إسرائيل نتيجة طبيعية لقوة محيطها، لا نتيجة صراعاته الداخلية.
بهذا المعنى، لا يكفي أن تكون هناك مواجهة مع عدو مشترك، بل يجب أن يكون هناك أيضاً اتفاق ضمني على قواعد التعايش. فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرة الردع، بل بقدرة الجوار على الثقة، وهذه هي المعادلة التي ما زالت المنطقة تبحث عنها.
*وزير الصحة الأسبق