المشكلة في الكويت ليست ارتفاع الرواتب بحد ذاته، بل لأن المنظومة تكافئ الحضور أكثر من الإنجاز.

راتب 10.000 دينار لموظف لا يحقق نتائج، ولا يتحمل مسؤولية، ولا يضيف قيمة حقيقية، يُعتبر هدراً، حتى لو كان 500 دينار. وفي المقابل، قد يكون راتب 10.000 دينار لقيادي كفؤ يدير مؤسسة حساسة، ويخفض الهدر، ويرفع الكفاءة، ويحقق وفورات بملايين الدنانير، استثماراً ممتازاً للدولة لا عبئاً عليها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: النقاش العام غالباً يركز على «حجم الرواتب»، بينما القضية الأهم هي «العائد من الرواتب».

Ad

تخيّل أنك تدفع لشخصين الراتب نفسه، الأول: مهندس يعمل بإتقان كل يوم، والثاني: لا يحضر، وإذا حضر لا ينجز. نفس الراتب، ونفس الترقية، ونفس البدلات. هنا تكمن المشكلة: ليست في حجم ما يُدفع، بل في منظومة لا تميز بين المنتج وغير المنتج.

ولا بد في البداية من الإقرار بوجود خلل اقتصادي انعكس على هيكل الميزانية العامة للدولة، وأصبح يشكل تحدياً حقيقياً لمستقبل الكويت: تضخم بند الرواتب.

من كل عشرة كويتيين شاغلي وظيفة، يعمل ثمانية في الحكومة.

في عام 2018 بلغ عدد الكويتيين العاملين في القطاع الحكومي 335 ألفاً. اليوم وصل العدد إلى 395 ألفاً، بزيادة 60 ألف موظف خلال سبع سنوات فقط، أي ما يقارب 18%، أو نحو 3% سنوياً.

وانعكس ذلك مباشرة على بند الرواتب، الذي ارتفع من 11 مليار دينار إلى 14.3 مليارا خلال الفترة نفسها، أي بزيادة تقارب 30%، أو ما يعادل نمواً سنوياً بنحو 4.2%.

لكن المشكلة لا تتوقف هنا.

ففي الفترة نفسها التي ارتفع فيها بند الرواتب بـ 3.3 مليارات دينار، انخفض الإنفاق على المشاريع والبنية التحتية بنسبة 53%، ففي عام 2017 بلغ الإنفاق على المشاريع 3.2 مليارات دينار، أي ما يعادل 16.7% من الميزانية، بينما انخفض اليوم إلى 1.5 مليار دينار فقط، أي نحو 6.5% من الميزانية.

بمعنى أبسط: من كل 100 دينار في الميزانية، يذهب 82 ديناراً إلى الرواتب والدعوم، بينما تُخصص 6 دنانير فقط للمشاريع والمستقبل.

وقد اتخذت الحكومة بعض الإجراءات لمعالجة الهدر، أبرزها تطبيق البصمة وتخفيض المكافآت، لكن السؤال الأهم: هل تعالج هذه الإجراءات أصل المشكلة؟

حتى لو افترضنا خفض بند الرواتب بنسبة 10%، وهو قرار صعب جداً اجتماعياً وسياسياً، فإن الوفر المتوقع لن يتجاوز 1.4 مليار دينار، في حين يبلغ العجز المتوقع في الميزانية القادمة نحو 9.8 مليارات دينار، أي أن الخفض لن يغطي سوى جزء محدود من المشكلة.

بل إن هناك خطراً أكبر قد لا ينتبه له البعض.

الكفاءات التي تعتمد عليها الدولة في الجهات الحساسة تمتلك خيارات متعددة، بينما الأقل كفاءة غالباً لا يملك خياراً سوى البقاء، وبالتالي فإن تقليص المزايا المالية بشكل غير مدروس في جهات مثل الهيئة العامة للاستثمار، أو قطاع النفط، أو هيئة أسواق المال، أو القضاء، قد يؤدي إلى خروج الأكفأ وبقاء الأقل كفاءة، وهو عكس الهدف تماماً.

المشكلة الحقيقية إذن ليست في الراتب المرتفع بحد ذاته، بل في غياب منظومة تربط بين الأجر والإنجاز.

هذا نظام يكافئ الحضور الجسدي، لا الإنجاز.

ولهذا تتجه العديد من المؤسسات العالمية إلى نماذج إدارية تقوم على قياس النتائج لا عدد ساعات الحضور، فالموظف يُقيَّم بناءً على ما يحققه من أهداف ومخرجات، لا على الوقت الذي يقضيه في المكتب.

ومن أبرز الأدوات المستخدمة في هذا الإطار ما يُعرف بمؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs)، وهي أدوات تساعد على قياس الإنجاز الفعلي، مثل جودة العمل، وسرعة التنفيذ، وحجم الإنجاز، والالتزام بالمواعيد، ووجود مؤشرات أداء واضحة ينقل المؤسسة من سؤال: «هل حضر الموظف؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا أنجز؟».

وفي السياق الكويتي، تمثل مؤشرات الأداء فرصة حقيقية لمعالجة الخلل القائم، من خلال ربط كل وظيفة بمخرجات واضحة، وربط الحوافز والترقيات بنتائج ملموسة لا بمجرد الالتزام الشكلي بالدوام.

لكن نجاح هذا التحول يتطلب ما هو أكبر من مجرد نظام تقييم. يتطلب وجود خطة استراتيجية واضحة للدولة، تتضمن أهدافاً محددة ومؤشرات أداء دقيقة تنعكس على المؤسسات والقياديين والموظفين على حد سواء.

كما أن الإصلاح لا يقتصر على الجانب الإداري فقط، بل يمتد إلى الثقافة المؤسسية نفسها، فالموظف الجيد يجب ألا يُعرَّف باعتباره الأكثر حضوراً، بل الأكثر إنتاجية وتأثيراً وقيمة مضافة. والمدير الذي يقيس الأداء بالنتائج لا بالحضور يغيّر سلوك الفريق بالكامل، ويعيد بناء ثقافة العمل حول الإنجاز الحقيقي لا المظهر الشكلي.

في النهاية، قد تنجح البصمة في الإجابة عن سؤال: «هل حضر الموظف؟»، لكنها تعجز عن الإجابة عن السؤال الأهم: «ماذا أنجز؟».

فالحضور ليس إنجازاً، والإنتاجية لا تُبصم على جهاز، بل تُقاس بما يتحقق من أثر حقيقي على الدولة والمجتمع.

* قسم الإدارة والتسويق – كلية العلوم الإدارية – جامعة الكويت