في السينما التجارية، ليست كل الأفلام مطالبة بحمل رسائل فلسفية عميقة، فبعضها يكتفي بصناعة الضحك وتقديم ساعتين من الترفيه الخفيف، لكن حين يقترب فيلم من قضية اجتماعية شائكة بحجم الغش في امتحانات الثانوية العامة يصبح من حق المشاهد أن يبحث عن موقف أو رؤية أو حتى سؤال واضح. هنا تحديداً يقف فيلم «برشامة» في منطقة رمادية، منطقة تجمع بين الضحك الصاخب والتساؤلات المؤجلة.

حقق الفيلم نجاحاً جماهيرياً لافتاً منذ طرحه، متصدراً شباك التذاكر بإيرادات تجاوزت 213 مليون جنيه خلال أسابيع عرضه، ومستفيداً من انتشاره الواسع في دور العرض المصرية والعربية، لكن خلف هذا النجاح التجاري يختبئ عمل غير متوازن فنياً، يربح معركة الجماهيرية أحياناً ويخسر بعض رهاناته الدرامية.

يعتمد «برشامة» على كوميديا المواقف والإفيهات السريعة، إلا أن بعض النكات جاءت محملة بإشارات دينية بدت مفتعلة ومستهلكة. هشام ماجد، الذي اعتاد تقديم كوميديا قائمة على الذكاء وخفة الظل، لم يكن موفقاً في عدد من هذه المشاهد، إذ بدت بعض الإفيهات أقرب إلى الاستسهال منها إلى صناعة الضحك الحقيقي. المشكلة نفسها انسحبت على حاتم صلاح، الذي وقع بدوره في فخ النكات الدينية المستهلكة التي بدت وكأنها عُصرت من أجل انتزاع ضحكة عابرة.

Ad

ومع ذلك، يبقى حاتم صلاح أحد أهم مكاسب الفيلم، فمنذ ظهوره الأول يفرض حضوره بثقة، ويتحول تدريجياً إلى شريك حقيقي في البطولة. لم يكن مجرد ممثل يقف بجوار نجم أكثر شهرة، بل استطاع أن يصنع لنفسه مساحة خاصة داخل الأحداث، وأن يخطف الأضواء في بعض المشاهد، مستفيداً من تلقائيته وقدرته على خلق علاقة مباشرة مع الجمهور.

أما ريهام عبدالغفور فقد غادرت للمرة الأولى تقريباً منطقة المرأة المكسورة أو الضحية التي طالما أتقنتها، لتقدم شخصية مختلفة تماماً، امرأة تعيش خارج القوالب الاجتماعية التقليدية، ورغم أن الشخصية لم تُمنح فرصاً كوميدية كافية، فإنها أضافت تنوعاً إلى نسيج الفيلم.

وفي المقابل، جاءت عارفة عبدالرسول وفاتن سعيد كعنصر مفاجئ ومبهج، إذ نجحتا في صناعة لحظات كوميدية خالصة وسط الفوضى الدرامية.

أما ميشيل ميلاد، الذي كشف عن موهبة لافتة في أعمال سابقة، مثل «النص» و«السادة الأفاضل»، فقد بدا هنا وكأنه محاصر داخل دور أصغر من إمكاناته. حضور موجود، لكن دون استثمار حقيقي لموهبة كوميدية واعدة.

وكعادته، يطل باسم سمرة كصمام أمان للعمل. ممثل يمتلك قدرة نادرة على إعادة الاتزان لأي مشهد، مهما كانت طبيعته. حضوره لا يعتمد على حجم الدور بقدر ما يعتمد على ثقل الموهبة وخبرة السنوات، بينما قدم مصطفى غريب الأداء ذاته الذي أحبه الجمهور في أعماله الأخيرة، أداء ناجح وممتع، لكنه لم يحمل جديداً يضيف إلى مسيرته أو يفاجئ المتلقي.

ومن بين الوجوه التي تركت أثراً واضحاً، جاء كمال أبورية ليؤكد أن الزمن لا يطفئ الموهبة الحقيقية. بخبرة طويلة وحضور هادئ، استطاع أن يمنح شخصيته بريقاً خاصاً، وأن يذكر الجمهور بأن الفنان الكبير لا يحتاج إلا إلى فرصة جيدة ليعود إلى الواجهة.

يحاول الفيلم أن يتحدث عن الحلم المتأخر، وعن أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بإمكانية تغيير مصائرهم مهما تقدم بهم العمر، لكنه في الوقت نفسه يغرق في عالم الغش والخداع والبحث عن الطرق المختصرة للنجاح. وبين الحلم والغش تضيع الرسالة، فلا المشاهد يخرج مقتنعاً بأن الفيلم يدافع عن الطموح، ولا هو يقدم إدانة واضحة لمنظومة الفشل التي يصورها، لذلك تنتهي الرحلة تاركة سؤالاً معلقاً في ذهن المتلقي: هل كان «برشامة» فيلماً عن الأمل أم عن الاحتيال؟ ربما لا يجيب الفيلم عن هذا السؤال، لكنه ينجح في أمر آخر لا يمكن إنكاره، وهو أن يجعل قاعات السينما تضحك طويلاً، حتى وإن خرج بعضها وهو يتساءل!