في عالم كرة القدم يمكن تقبل اختلاف الآراء، ويمكن حتى تفهم تضارب المصالح أحياناً، لكن ما يصعب استيعابه هو أن يتحول الشخص من موقع المطالبة بشيء إلى موقع مهاجمته وكأن ذاكرة الناس قصيرة إلى هذا الحد.

التصريحات الأخيرة للمدرب التونسي نبيل معلول بشأن آلية استكمال الدوري وما ترتب عليها من إرهاق للاعبين وتراجع لمستوى المنتخب تستحق التوقف عندها كثيراً، ليس لأنها كشفت أمراً جديداً، بل لأنها جاءت متأخرة ومن الشخص الخطأ.

معلول حمّل الاتحاد ورئيسه مسؤولية ضغط المباريات وما نتج عنه من آثار سلبية، ناسياً أو متناسياً عمداً أن استكمال الدوري لم يكن قراراً منفرداً من الاتحاد، بل مطلب أساسي من الأندية نفسها، وفي مقدمتها النادي الذي يتولى تدريبه حالياً، فهل كان القرار صائباً عندما طالبت به الأندية وأصبح خاطئاً بعدما تم تنفيذه؟

Ad

وللتذكير فقط، فإن وصول الموسم إلى هذا التوقيت الاستثنائي لم يكن نتيجة سوء تخطيط أو قرار ارتجالي، بل جاء بسبب ظروف قاهرة فرضتها الأحداث التي مرت بها المنطقة وما صاحبها من اعتداءات إيرانية آثمة على الكويت ودول الخليج، وهي ظروف أدت إلى توقف النشاط الرياضي شأنه شأن العديد من مناحي الحياة الأخرى، وبالتالي فإن التعامل مع استكمال المسابقات كان محاولة لمعالجة وضع استثنائي فرضته الأحداث، وليس خياراً ترفيهياً اتخذه الاتحاد بإرادته المنفردة.

الأغرب من ذلك أن الحديث عن مصلحة المنتخب يأتي من مدرب سبق أن قاد الأزرق في واحدة من أكثر الفترات تواضعاً من حيث النتائج والمستويات، خسائر غير مسبوقة في كأس الخليج، وتراجع فني واضح، إضافة إلى سابقة لم تكن مألوفة في الكرة الكويتية حين جمع بين مهمة تدريب المنتخب والانشغال بالتحليل التلفزيوني، وكأن المنتخب مشروع جانبي يمكن إدارته بين الاستديوهات والمباريات.

اليوم يتحدث معلول عن الإرهاق وكأن اللاعبين الكويتيين يخوضون موسماً استثنائياً لا مثيل له في العالم، بينما هو نفسه ظل لسنوات يطالب بتطبيق الاحتراف الكامل، والاحتراف في أبسط تعريفاته يعني أن اللاعب يمارس كرة القدم على مدار معظم أشهر السنة ويتعايش مع ضغط المباريات وارتفاع الأحمال البدنية، بل إن الرجل نفسه سبق أن طالب بزيادة عدد المباريات المحلية عندما كان مدرباً للمنتخب حتى يعتاد اللاعب الكويتي نسق المنافسات المرتفع.

لذلك، فإن المشكلة ليست في التصريحات بحد ذاتها، بل في التناقض الذي تحمله، فمن طالب بالأمس بالمزيد من المباريات لا يمكنه أن يتصدر اليوم قائمة المتباكين من كثرتها، ومن استفاد سابقاً من واقع معين لا يملك رفاهية تقديم نفسه اليوم في صورة المصلح والمنقذ، فالذاكرة الرياضية قد تضعف أحياناً، لكنها لا تفقد قدرتها على التمييز بين النقد الصادق والنقد الذي تحركه الظروف والمصالح.

بنلتي

يبدو أن نبيل معلول يعاني من إرهاق أشد من إرهاق اللاعبين، إرهاق في الذاكرة تحديداً، وإلا فكيف ينسى كل ما طالب به بالأمس ويهاجمه اليوم؟ لكن ما عليه، الجماهير الكويتية مو «غشيمة» مثل ما يعتقد البعض، وتعرف تفرّق بين النصيحة والمصلحة.