من جديد، يثبت ترامب بخلطه بين مسار الحرب التي شنّها على إيران ومسار التخلي عن الحقوق العربية والفلسطينية، أنه مجرد أداة في يد نتنياهو والصهيونية العالمية، لأن المسارين مختلفان، فالعرب لا يريدون إلا تحرير مقدساتهم وأراضيهم التي احتلها الصهاينة، ومطلبهم هذا يتفق والقوانين الدولية، بينما يصرّ الصهاينة على تمسكهم بعدوانهم، فهل يجوز أن يطالب ترامب بتخلي العرب عن حقهم في مقدساتهم وفلسطين والأراضي العربية المحتلة أو يقوم بالتسليم بالعدوان الإيراني عليهم؟ وهل يمكن أن يتحقق السلام بينما الأراضي والمقدسات محتلة؟

الواقع أن أميركا تتبنى إسرائيل بالكامل، وتقدم لها الدعم غير المتناهي بالسلاح والمال من أجل تكريس احتلالها لفلسطين وبيت المقدس وأجزاء من لبنان والأردن وسورية منذ أكثر من 60 سنة وقتلها أكثر من سبعين ألف فلسطيني، في جريمة اعتبرتها المحكمة الجنائية الدولية جريمة إبادة جماعية. أما حرب أميركا وإسرائيل على إيران فهي لأسباب مختلفة، أهمها حماية إسرائيل من السلاح النووي الإيراني والصواريخ البالستية، وهي تجمّد الأموال الإيرانية منذ سنوات وتحاصر جميع تحركاتها، أما أصدقاء إيران من الدول الكبرى فلم يفعلوا شيئاً يُذكر عندما تم تدمير إيران واغتيال جميع القادة الدينيين والعسكريين والخبراء النوويين الإيرانيين.

 لذلك، فإن الموقف الأميركي بربط وقف الحرب على إيران بالتنازل العربي عن قضيتهم الأولى وإجبار العرب والخليجيين بالذات على التطبيع وتوقيع الاتفاقات الإبراهيمية كشرط لإنهاء الحرب على إيران، وهذا خلط غريب وخروج على أحكام الدين والأخلاق والقانون الدولي والإنساني، لأن العرب لم يعتدوا على إيران، وقضاياهم عادلة حسب الشرائع والقوانين، وهم يريدون علاقات طبيعية مع إيران إذا تغيّرت أو تخلت عن سياستها العدوانية، ولا يجوز إجبارهم على التنازل عن حقوقهم المشروعة في فلسطين وبقية الأراضي العربية المحتلة مقابل أي تسوية أميركية مع إيران تضمن أمن إسرائيل ولا تحقق إعادة الأراضي المحتلة، وهذا في حقيقته يشبه التعامل مع العرب وكأنهم دول تابعة ليست ذات سيادة وحقوق دينية وقانونية.

Ad

كل ما يطالب به العرب هو تطبيق القانون الدولي في الحالتين الإيرانية والصهيونية، وضرورة تنفيذ القرارات الدولية بإنشاء دولة فلسطينية على حدود 1967، فهل أصبح هذا المطلب المُقرّ دولياً منكراً حتى تحاربه أميركا وتربطه بوقف الحرب على إيران؟ ومع الأسف، فإن إيران تساهم في هذه المؤامرة باعتداءاتها على دول الخليج.

إسرائيل كيان معتدٍ ويحظى بدعم أقوى آلة عسكرية عرفها العالم وتوسعت كثيراً في الماضي وتطالب الآن بمزيد من التوسع، وأعلنت خريطة توسعية بنظام جديد للشرق الأوسط تكون فيه إسرائيل هي المركز الأمني والاقتصادي والسياسي المتحكم بجميع الدول العربية، وما التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية إلا الخطوة الأولى في هذا المسار، ومن المؤسف أن تساعدهم فيه بعض الدول العربية، وهو أكبر خطر على الأمن الوطني لدول الخليج. 

أما إيران فرغم خطورتها وخطورة عقيدتها التوسعية، فإنها في الجانب الأضعف الآن، وفي انكماش وفقد لأذرعها التي ما كانت لتصمد لولا رضا أميركا عنها في السابق، حتى أصدقاؤها من الدول الكبرى أثبتت الأحداث حدود قدرتهم على تحقيق أطماعها، فلا مقارنة بينها وبين الكيان الصهيوني وعقيدة المسيحيين الصهاينة التوسعية الذين يحكمون أقوى دولة في العالم اليوم.