فشلت مساعي المواطن «كاف» في أداء فريضة الحج، لأسبابٍ يتحفظ عن ذكرها، فعاد إلى البيت، وعلّق إحرامه الناصع البياض، ثم جلس.

لاحظ «كاف» أنه في الآونة الأخيرة صار يشعر بالضجر، خصوصاً منذ خروج أخيه «لام» من المنزل، وكان شعوره بالملل وانعدام الفائدة يتزايد يوماً بعد يوم، ففكر أن يحدّث طلب التوظيف في القطاع العام، لعل الوظيفة تخفف عنه، وتوفر له دخلاً يسدّ به حاجات بيته، خاصةً بعد أن توقفت مخصصات وإعانة والدته الأرملة لأسباب لا يود الخوض فيها... فكان ذلك.

ذهب «كاف» إلى مقابلة عمل لدى الجهة المعنية، ودار الحوار التالي:

Ad

المسؤول: لماذا تريد أن تتوظف؟

 كاف: للتغلّب على الملل.

المسؤول: ماذا يعني أن تكون موظفاً؟

كاف: أن أبصم أول الدوام.

المسؤول: وبعد؟

كاف: أبصم في منتصف الدوام.

المسؤول: وبعد؟

كاف: أبصم في نهاية الدوام.

المسؤول: ما أهم سمات الموظف الناجح؟

كاف: حسن المظهر.

المسؤول: وبعد؟

كاف: لباقة الحديث.

المسؤول: وبعد؟

كاف: ألّا يتفلسف.

المسؤول: وما معنى أن يتفلسف؟

كاف: يعني إذا ما يعرف، يقول: ما أعرف.

المسؤول: وأنت ماذا تعرف؟

كاف: ولا شيء.

المسؤول: كمبيوتر؟

كاف: شوية آيباد.

المسؤول: كتابة؟

كاف: ما عندي أصابع.

المسؤول: وما الوظيفة المثالية لك؟

كاف: يصير أقول وزير؟

المسؤول: غيره.

كاف:... بواب؟ 

مرّت بضعة أيام، و«كاف» ينتظر نتيجة مقابلته، ثم أبلغوه بموعد ثانٍ، ومن شدّة حماسه، ارتدى دشداشته بالمقلوب، ونسي عقاله، وحين دخل على المدير، دار بينهما الحوار الآتي:

المدير: المواطن «كاف»؟

كاف: (بصراخ) حاضر سيدي!

المدير: اخفض صوتك، مو تجنيد.

كاف: أمرك، طال عمرك!

المدير: درسنا وضعك.

كاف: تمام.

المدير: إمكانياتك غير عادية.

كاف: معلوم.

المدير: أنت إنسان وطني.

كاف: حيل!

المدير: اخترناك لتقود حملة توعوية وطنية بعنوان «طفح الكيل».

كاف: «طفح الكيل»؟

المدير: بالضبط.

كاف: ما المطلوب؟

المدير: رصد وتهدئة جميع مظاهر التأفف والسلبية داخل المجتمع.

كاف: عمل جبّار!

المدير: لا تتفلسف.

كاف: قصدي إن شاء الله أكون قدّها.

المدير: لو ما كنت قدّها لما وقع الاختيار عليك.

كاف: طيّب، في ميزانية؟

المدير: ما في ميزانية. 

كاف: طيّب، في موظفين؟

المدير: أنت قائد الحملة، ومعك مساعد رقمي.

كاف: فوق الممتاز. ألديّ مكتب؟

المدير: تعمل عن بعد عبر الآيباد. 

كاف: وإذا خلص شحنه؟

المدير: الوطن ما يخلص شحنه.

كاف: عظيم. أحضر اجتماعات؟

المدير: نحن نراقبك، ونخبرك.

كاف: ومنو يراقبكم؟

المدير: لا تتفلسف.

كاف: العفو. قصدي، ما أهداف الحملة؟

المدير: القضاء على شعور السلبية والاستياء بجميع أنواعه.

كاف: حتى المكتوم؟

المدير: خصوصاً المكتوم.

كاف: إن خلّيت واحد بس، واحد، ما يطقّ أصبع ويرقص يومياً من الفرح، ماني كفو!

المدير: أنت أكيد كفو يا «كاف». 

فابتسم «كاف» ابتسامة فخر، وسرى فيه الزهو.

غير أن المواطن «كاف» لا يعرف التأفف ولا الاستياء قط، فقرّر أن يستشير مساعده الرقمي في كيفية رصد تلك المظاهر السلبية: من التأفف، واللعنات، واليأس الذي تُخفيه القلوب ويهدد استقرار الوطن ويؤرّق نوم المواطن الخفير «كاف».

وإليكم ما توصلا إليه في المقال القادم.