في نقاشٍ محتدم بين مجموعةٍ من الأصدقاء، وأنا من مُتخذي جانب العلم الحداثي التقدُّمي فيه كالعادة، أُثير طرح نظرية الركام البركاني الموجَّه من إيطاليا في حقبةٍ ماضية تزيد على خمسة عشر عقداً من الزمان. 

وفي استرجاع لذكريات هذا الطرح منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، حينما كُنت طالباً في المملكة المتحدة وأقل «صلعاً» ومشيباً في ذوائبي من اليوم: ماذا لو كان هناك تفسيرٌ لسلسلة أحداث معجزات سيدنا موسى (عليه السلام)، ويكون هذا التفسير علمياً مترابطاً ما بين ديناميكية الموائع والجيولوجيا والتاريخ؟! 

بالطبع، تكون سلسلة الأحداث بسبب إلهي، ولا ينفي ذلك وجود الرب، عز وجل، بل يُعطي نوعاً من الإثبات العلمي الدامغ عن الأحداث دون غيرها بطريقة علمية حداثية (وجب عليَّ ذكر الجُملة السابقة، لكيلا يُساء فهمي أو المغزى من المقال، فقد كبرت ووصلت إلى مرحلة لا يتحمَّل بها القولون البقوليات، خصوصاً العدس). 

Ad

التراكم البركاني عبر البحر الأبيض المتوسط أدَّى إلى سلسلةٍ إيكولوجية وانهيار منظومة مصر القديمة، لتتم أحداث المعجزات المتتالية (أو معظمها) لسيدنا موسى (عليه السلام) في أرض مصر، من خروج الضفادع والجراد والقمل، مروراً بتصبُّغ النيل بالدماء. فقد أمر الرب، جل في عُلاه، جُنده في الأرض- من مخلوقات وكائنات- بتغيير نظامٍ ونمطٍ جُبلوا عليه، فقط ليهتز كيان حضارة كاملة، في إشارةٍ واضحة إلى ضعف الإنسان. وحينما كُنت في خضم الشرح شخصياً وأنا منهمك في سرد النظرية والبراهين الجيولوجية والتاريخية، انتبهتُ لأحد المارَّة وعائلته الممتدة، والتي قرَّرت أن تُشكِّل جمهوراً لي ولمجموعة الأصدقاء من حَوْلي، ورب الأسرة ينبس ويقول: «ما شاء الله، هذا مطوع وطينته خفيفة!».

حرصتُ على تصحيح المعلومة لدى الرجل، بأنه لا وسيط ولا وساطة بين الرَّب وعباده في الإسلام، فلا يوجد شيء اسمه رجل دين يمتلك صك الجنة والجنان، وأنني شخص عادي امتهن واختص بالهندسة. حينها فقط استوعبتُ قدرة المرء على إيصال الكلام وهو تحت قناع الدِّين والتدين من جهة، ومن جهةٍ أخرى الحرب العوجاء التي تُمارس ضد العِلم البحت. 

حاولت شرح آثار بركان سانتوريني الإيطالي على سلسلة أحداث المعجزات الإلهية للنبي موسى مرةً أخرى للرجل، لكن لم أكن أنا «مطوعاً» في نظره، فلا أهمية لكلامي الآن بتاتاً. 

عموماً، يبقى العلم الحداثي هو المنهج الوحيد الذي يُعد الخلاص لتفسير معجزات الرب وقُدرته وعظمته، والله كريم، وهو المستعان.