كان جيروم باول الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفدرالي «البنك المركزي» الأميركي، خصماً مناسباً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ جعل منه هدفاً يوجه إليه اللوم في كل شيء بدءاً من ارتفاع أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وصولاً إلى وتيرة النمو الاقتصادي.

لكن مع تولي كيفن وارش رئاسة المجلس خلفاً لباول، تكتمل سيطرة ترامب على أعلى مستويات صنع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة، وتتغير المعادلة. 

فإذا كان بإمكان ترامب سابقاً القول إن باول فُرض عليه في إدارته الأولى من مستشارين مثل وزير الخزانة آنذاك ستيفن منوشين، فإن الرئيس هو من اختار وارش وهو من سيجني الحصاد ويتحمل النتائج.

Ad

وكأن ترامب كان يشدد على ضخامة الرهانات حين استضاف وارش في حفل أداء اليمين في البيت الأبيض يوم الجمعة، بحضور وزراء الحكومة وقضاة المحكمة العليا وكبار مستشاري البيت الأبيض في جو حماسي، قائلاً في كلمة مطولة إنه يريد من وارش أن «يعمل وفقاً لرؤيته الخاصة ويؤدي عملاً رائعاً».

وقال ترامب: «يدرك كيفن أن ازدهار الاقتصاد شيء رائع... ونحن نريد أن يزدهر... ولا نريد أن نراه متعثراً».

مخاطر كبيرة في انتخابات التجديد النصفي

بعد أن خاض ترامب حملته الانتخابية وفاز بولاية ثانية على أساس وعود بخفض الأسعار ومعالجة قضايا «القدرة على تحمل تكاليف الحياة» ذات الأهمية الكبرى للأسر الأميركية، تراجعت شعبيته في مجال الاقتصاد بشكل كبير.

وأظهر مؤشر ثقة المستهلك، الذي نُشر قبل حوالي 90 دقيقة من أداء وارش اليمين الدستورية، حالة من التشاؤم في أنحاء الولايات المتحدة. 

ويشمل ذلك الثقة في الاقتصاد بين المستقلين، وهم كتلة تصويت رئيسية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي تقترب بسرعة، بل والثقة بين الجمهوريين التي تراجعت إلى أدنى مستوى في ولاية ترامب الثانية.

وارتفع سعر الفائدة على قروض الرهن العقاري لمدة 30 عاماً مرة أخرى إلى ما يزيد على 6.5%، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر، مما يشكل ضغطاً مستمراً على سوق الإسكان الضعيفة. وتواصل الأسعار الارتفاع بشكل عام في عهد ترامب على الرغم من وعوده الانتخابية بأنها ستنخفض من «اليوم الأول» لرئاسته.

فمنذ مارس 2025، تسارع مؤشر التضخم الذي يستخدمه مجلس الاحتياطي الفدرالي لتحديد مستواه المستهدف عند 2% من 2.3% سنوياً إلى 3.5%.

وبلغ متوسط سعر غالون البنزين 4.55 دولارات يوم الجمعة مقارنة بأقل من ثلاثة دولارات قبل أن يشن ترامب هجماته على إيران في أواخر فبراير.

ولم تتضح الكيفية التي قد يشكل بها أداء وارش رئيساً للبنك المركزي الأميركي في أشهره الأولى آفاق الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب في انتخابات التجديد النصفي، إذ إن الطريق محفوف بالمخاطر.

ولا يصب ارتفاع التضخم أبداً في مصلحة الأحزاب الحاكمة التي تواجه ناخبين قلقين على أوضاعهم المالية، لكن مكافحته تتطلب تدابير صارمة تتخذ عادة صورة رفع تكاليف الاقتراض، وهو أمر نادراً ما يحظى بشعبية، ولن يلقى بالتأكيد ترحيباً من ترامب.

علاوة على ذلك، لا يزال مجلس الاحتياطي الفدرالي هيئة منقسمة سيتعين على رئيسها الجديد ترسيخ سلطته فيها بمرور الوقت، وكل ذلك في وقت يراقب فيه العالم الوضع بحثاً عن أي مؤشرات تدلل على تأثير ترامب ونفوذه.

وقال ريتشارد ستيرن، الباحث في السياسة الاقتصادية في مركز الأبحاث المحافظ «أدفانسينج أميركان فريدم»: «كان باول كبش فداء رائعاً حقاً لترامب في قضايا لا علاقة لها بباول»، أما الآن «سيكون الاقتصاد هو اقتصاد ترامب... الشيء الكبير الذي كان يشغل الجميع، ارتفاع الأسعار، مشكلة القدرة على تحمل تكاليف الحياة، كل ذلك لن يختفي لسنوات، ربما لسنوات عديدة... وهذا بغض النظر عن أي شيء سيفعله ترامب أو يمكن أن يفعله، وبغض النظر عن أي شيء سيفعله وارش».

ووارش البالغ 56 عاماً محام وممول شغل منصب عضو في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي من 2006 إلى 2011، وأمضى الوقت منذ ذلك الحين في تعزيز فرصه للعودة رئيساً للبنك المركزي.

ومن مرشديه المهنيين شخصيات مثل خبير الاقتصاد النقدي الشهير ميلتون فريدمان ووزير الخارجية الأسبق جورج شولتس، في حين أن عمله مع عملاق وول ستريت، ستانلي دروكنميلر، جعله ثرياً متجاوزاً حتى حصة زوجته في «إستي لودر» لمستحضرات التجميل.

لكن علاقاته الاجتماعية والسياسية مع ترامب هي التي حسمت الأمر، إذ عبر الرئيس عن أسفه بسبب تجاهله لوارش لصالح باول في 2017.

إدارة نظام صعب المراس

اختار باول، بسبب جهود ترامب لتقويض مكانة الاحتياطي الفدرالي في وضع سياسة نقدية خالية من تأثيره، البقاء في منصب رئيس البنك المركزي الأميركي. 

ويشكل هذا جانباً آخر غير عادي في الأشهر الأولى لوارش على رأس أقوى بنك مركزي في العالم والذي تلجأ إليه البنوك المركزية الكبرى الأخرى للحصول على الدولار في أوقات الشدة.

وعلى الرغم من أن بعض رؤساء مجلس الاحتياطي الفدرالي كانوا يمارسون نفوذاً حاسماً، بما في ذلك قادة سابقون أمثال «بول فولكر» و»آلان غرينسبان»، فإن البنك المركزي الأميركي يصعب التحكم فيه بحكم تركيبته، إذ يضم مجلس محافظين من سبعة أعضاء ومقره في واشنطن و12 رئيساً لبنوك تتبع مجلس الاحتياطي الفدرالي على مستوى الولايات، وجميعهم يشاركون في مناقشات السياسة النقدية.

وفي السنوات القليلة الماضية، اتجهت عملية صنع القرار نحو بناء توافق أكبر على يد رئيس البنك المركزي. وصرح وارش أنه يفضل نهجاً مختلفاً يقوم على النقاش المفتوح والصريح، مع إتاحة فرصة لمزيد من الاختلاف في الآراء، والاستعداد لمفاجأة الأسواق المالية بقرارات سياسية تتجاوز الإرشادات المسبقة التي شاع استخدامها في السنوات الأخيرة لتهيئة الرأي العام.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان المستثمرون العالميون مستعدين لهذا النهج. لكن إذا كانت اجتماعات الاحتياطي الفدرالي في الآونة الأخيرة تشير إلى أي شيء، فإن هذا الشيء هو استعداد زملائه «للشجار العائلي» الذي قال وارش خلال جلسة الاستماع لتأكيد تعيينه إنه يستمتع به.

وشهد اجتماع مجلس الاحتياطي الفدرالي في أبريل أكبر عدد من الآراء المخالفة منذ أكثر من 30 عاماً، وأظهرت محاضر الاجتماع أن غالبية زملاء وارش الجدد يعتقدون أن أسعار الفائدة قد يتعين زيادتها، وهو عكس ما كان ترامب يقول، حتى وقت قريب، إنه يتوقعه وما كان وارش حتى وقت قريب يطرحه ويدافع عنه.

وتضم تلك المجموعة المنقسمة من المسؤولين خبراء اقتصاد حاملين لدرجة الدكتوراه يتمتعون بمعرفة فنية تختلف عن وارش، ومهنيين رفيعي المستوى في مجال الاستثمار يتمتعون بخبرة لا تقل عن خبرته في الأسواق، بالإضافة إلى رئيسهم السابق باول. ومن بين أعضاء مجلس المحافظين الستة الآخرين، عين الرئيس السابق «جو بايدن» ثلاثة، بمن فيهم «ليسا كوك» التي يحاول ترامب إقالتها.

ومع ذلك، وبينما يناقشون الخطوات السياسية المقبلة، يبدو أن المستثمرين قد حسموا أمرهم بأن أسعار الفائدة سترتفع لمواجهة التضخم المتزايد. وبالنسبة للسندات طويلة الأجل التي تحدد ما يدفعه المستهلكون لاقتراض الأموال، فإن العوائد آخذة في الارتفاع بالفعل.

ويتوقع أغلبية المستثمرين في سوق السندات أن يبدأ بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي دورة جديدة من رفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام الجاري، في تحول حاد عن توقعات كانت سائدة قبل 3 أشهر فقط، عندما كانت الأسواق تراهن على مزيد من التخفيضات.

وجاء هذا التحول بعد ارتفاع الضغوط التضخمية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب استمرار قوة الاقتصاد الأميركي وتسارع الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ما عزز المخاوف من بقاء التضخم فوق مستهدف «الفدرالي» البالغ 2%.

ودفعت هذه المخاوف عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع بقوة، حيث سجلت عوائد السندات لأجل 30 عاماً أعلى مستوياتها منذ 2007.

وتضع هذه الظروف رئيس البنك الاحتياطي الفدرالي كيفن وورش في موقف حرج بين رفع الفائدة لمحاربة التضخم، وهو ما يخالف توجهات الرئيس دونالد ترامب، أو مواجهة أزمة اقتصادية في حال عدم رفع أسعار الفائدة.

وأشار كيفن هاسيت، كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، إلى أنه واثق بأن أي انخفاض لاحق في أسعار النفط سيتيح مجالاً أمام مجلس الاحتياطي الفدرالي لخفض أسعار الفائدة.

وقال هاسيت، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» الأميركية، إن البيت الأبيض يتوقع انخفاض أسعار الطاقة بمجرد التوصل إلى اتفاق مع إيران، بالتزامن مع منشور لترامب على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيه إن المفاوضات مع طهران «تسير بطريقة منظمة وبناءة»، وفقاً لما ذكرته وكالة بلومبرغ للأنباء.

وشدد على أنه يحترم استقلالية الاحتياطي الفدرالي، وأشاد بكيفن وارش، الذي أدى اليمين الدستورية الجمعة رئيساً لمجلس الاحتياطي الفدرالي، حيث قال ترامب إنه يريد منه أن يكون «مستقلاً تماما»، وأن «يفعل ما يراه مناسباً».