كما هو ملاحظ، تشهد الساحة الكويتية حِراكاً فكرياً مستمراً، كان ولا يزال، حول مفهوم «تمكين المرأة»، وهو ملف يقع في قلب التجاذبات الاجتماعية المُعاصرة. فتشير الدراسات المختصة والبحوث المهتمة بتمكين المرأة في المجتمع الخليجي والكويتي بشكلٍ خاص إلى أن المحك الحقيقي لنجاح هذا التمكين يكمن في صياغة نموذج وطني متوازن يوفق بين ثوابت الهوية العربية الإسلامية ومتطلبات التنمية الحديثة العصرية، بعيداً عن الغلو أو التفريط.
فنجد أن النقاش المجتمعي حول هذا الملف ينقسم إلى اتجاهين، اتجاه يغلو في تبنِّي النماذج الغربية لتمكين المرأة من دون مراعاة لخصوصية المجتمع الكويتي وثقافته العروبية والإسلامية المحافظة، واتجاه آخر يفرط في تحجيم دورها، ويُقصيها عن مشهد صناعة القرار، بناءً على نظرةٍ تقليدية جامدة غير حضارية، فالنمط الذي يمثل «التمكين الحقيقي»، والذي ترنو إليه البحوث الرصينة، هو الذي يقوم على مبدأين أساسيين، هما: الجدارة والكفاءة المهنية كمعيارٍ وحيد لاعتلاء المناصب القيادية، وتكامل الأدوار داخل الأسرة والمجتمع من دون صِدام أو تنافسية غير مبررة.
فالتمكين الحقيقي لا يعني إقحام المرأة في المجالات الإدارية أو السياسية لمجرَّد استكمال «المحاصصة النوعية» أو تحسين المؤشرات الرقمية أمام المنظمات الدولية، بل يتمثل في تهيئة بيئة عادلة تُتيح لها الفرصة لإثبات جدارتها متى ما امتلكت المؤهلات والقدرات العلمية والعملية لخدمة وطنها، سواء في الوظائف العامة، أو الحقائب الوزارية، أو مراكز التخطيط الاستراتيجي. وفي هذا المنحى، تؤكد الأدبيات الإدارية أن الكفاءة الوطنية، بغض النظر عن الجنس، هي الوقود الحقيقي لإنجاح رؤية الكويت التنموية.
ومن المنظور القيمي والاجتماعي، ككويتيين وعرب ومسلمين، نرى أن التمكين المهني لا ينفصل بحالٍ من الأحوال عن بناء الأسرة وصيانة المجتمع، وأعني المرأة المتزوجة، التي وإن فُتحت لها أبواب التمكين والترقي الوظيفي، يظل دورها في رعاية بيتها وتربية النشء ركيزة أساسية وعملاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه. لذلك، فالتمكين الناجح لا يقوم على حساب تفكُّك الأسرة أو إهمال الأبناء، بل هو التمكين الذكي الذي يدعم المرأة تشريعياً ومؤسسياً عبر قوانين مرنة وسياقات عمل متطورة، تضمن التوازن العادل بين العطاء الوظيفي والواجب الأسري، بما يحفظ للمجتمع نواته الصلبة وقيمه الأصيلة. لذلك، فإن الاستثمار في استقرار الأسرة هو استثمار في مستقبل الوطن، ولا يمكن للمرأة أن تحقق تميزاً مستداماً إلا إذا تضافرت الجهود المؤسسية لتهيئة بيئة تُدرك أن نجاحها المهني يكتمل ولا يتعارض مع نجاحها في بناء جيلٍ واعدٍ وواعٍ.
* باحث أكاديمي