أول سؤال يتبادر إلى الذهن عندما تتعرّض دولة ما للحرب، ماذا بشأن السجلات المدنية والوثائق النادرة والمخطوطات والأرشيف الوطني؟

مناسبة السؤال، المعلومات التي نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية حول عملية سرية ومعقّدة نفذتها وكالة أونروا على مدى 10 أشهر بهدف نقل وحماية ملايين الوثائق لتاريخ اللجوء الفلسطيني منذ نكبة 1948، ونقلها من القدس وغزة إلى الأردن، خوفاً عليها من المصادرة والتلف... وقد نجحت في ذلك.

الكويت لم تكن بعيدة عن هذا الوضع، فقد تم إخراج قاعدة البيانات التي تضم السجلّ المدني للمواطنين الكويتيين عام 1990 أثناء الغزو العراقي من خلال عملية سريّة نفّذتها المقاومة الكويتية، بالتعاون مع موظفين من الهيئة العامة للمعلومات المدنية، وكان من بينهم وافد مصري يُدعى إيهاب يونس، توفي ودُفن بالكويت عام 2024، وأطلقوا عليه اسم «حامي السجل المدني الكويتي».

Ad

في الوقائع الميدانية هناك عشرات الأمثلة التي جرى فيها تهريب الكنوز من السجلات والوثائق والمقتنيات أثناء الحروب منها:

حرب سراييفو (البوسنة والهرسك) عام 1992 عندما خاطر عدد من الأهالي بحياتهم تحت القصف لإنقاذ آلاف المخطوطات والوثائق.

وأيضاً ما تعرّض له الأرشيف الوطني العراقي والمتحف من عمليات نهب وتدمير وتهريب عام 2003.

وكذلك السودان منذ عام 2023، وهو تحت حطام الصراع وقبضة التخريب التي تهدد الوثائق والأرشيف الوطني والمتاحف، وإن شهدت هذه الدولة مبادرة مشروع «ذاكرة السودان» قبل اندلاع الحرب.

هذا يؤكد أهمية الحفاظ على الذاكرة الوطنية بكل أشكالها، نظراً لما تمثّله من قيمة تاريخية من الصعب تعويضها إن هي صودرت أو أتلفت أو نُهبت.

اليوم تغيّرت طريقة الحفظ لتلك السجلات و«الكنوز»، مع إيجاد وسائل تكنولوجية حديثة باتت هي الخيار الأمثل والمُتّبع، وذلك عبر الأدوات الرقمية، وهو البحث الذي قدّمه رئيس متحف السادات في مكتبة الإسكندرية عمرو مصطفى شلبي،   بعنوان «كيف توثّق الأزمات الإنسانية رقمياً؟»، أرشفة الحروب والنزوح وغيرها.

لقد برزت الفكرة المتزايدة لتوثيق «الأزمات» من منظور إنساني خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، بعد نشوب الحروب العالمية والنكبات الكبرى لعدد من الشعوب العربية وغيرها.

تقوم الفكرة على أن الذاكرة تُكتب لحظة بلحظة، ومن قلب المأساة بصوت الضحية، فالتوثيق هنا يتجاوز الوثيقة الورقية إلى الصورة والفيديو والتسجيلات الصوتية والبيانات الجغرافية والتفاعلات الرقمية.

في هذا السياق، كما يشرح الباحث شلبي «برزت الأرشفة الرقمية للأزمات الإنسانية كمساحة جديدة يتقاطع فيها التوثيق مع الحقوق والذاكرة مع السياسة والتكنولوجيا مع الشهادة، فالأزمات الإنسانية، سواء كانت ناتجة عن حروب نزوح قسري أو قمع سياسي أو كوارث طبيعية، تنتج كمّاً هائلاً من المعلومات المبعثرة التي قد تضيع بسهولة إذا لم تُجمع وتُنظّم بشكل ممنهج.

وتُعد هذه الأرشفة فعلاً مزدوجاً، فهي من جهة محاولة لإنقاذ الذاكرة من المحو، ومن جهة أخرى وسيلة للمحاسبة، إذ تُحوّل الوثائق من مجرد سرد زمني للأحداث إلى أدلة يمكن أن تستخدم قانونياً أو أخلاقياً أو تاريخياً».