في إحدى زياراتي للعالِم الأديب الوزير الأسبق يعقوب الغنيم، أعطاني ورقة وطلب منّي قراءتها على روّاد ديوانيتي الأسبوع الماضي.

كانت الورقة عبارة عن خطاب رسمي موجّه من الشيخ عبدالله الجابر يقول فيه (حضرة المكرّم ناصر بن خليفة بو ناشي، بعد التحية، جوابا على كتابكم نخبركم أن المجلس موافق على طلبكم وضع راديو في القهوة بشرط ألا يفتح قبل الساعة الثانية ليلاً. فاقتضى تبليغك ذلك)، (جمادي الثاني 1357 هجرية)، أي قبل 90 سنة.

طبعاً كان انطباع الحضور مزيجاً من التعجب والضحك وحمد الله على التغيير الكبير الذي أنعم الله به على البلاد في هذه الفترة الوجيزة، إذ كان مجرد وضع راديو في القهوة الشهيرة يحتاج إلى إذن من المجلس البلدي، ولا يمكن الاستماع إليه إلا بعد الساعة الثانية ليلاً "عربي"، أي بعد صلاة العشاء.

Ad

نعم، هكذا كنّا قبل أن تنهال علينا خيرات الذهب الأسود، وتتقلب أحوالنا منطلقةً إلى أجهزة التلفاز والاتصال الحديثة والمساكن الجديدة وإدخال الكهرباء والثلاجات والمكيفات والسفر إلى كل بلاد العالم.

وبمناسبة السفر، بدأنا السفر للتصييف في لبنان في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، واستأجر والدي منزل لمياء (زوجة إلياس بو متري صاحب أكبر متجر في سوق حمانا)، إذ كنّا نقيم هناك ثلاثة أشهر كاملة.

وفي سفرة عام 1957 وُلدت أختي الصغيرة، وحين بدأنا الاستعداد للعودة إلى الكويت فكّر والدي وإخواني الكبار في كيفية الرجوع بها إلى الكويت، لأنها لم تكن مسجّلة في جواز الوالدة، واقترح أحد إخواني الكبار أن تغطيها الوالدة داخل عباءتها، لأن تفتيش المسافرين لم يكن معمولاً به في تلك الأيام، واقترح آخر أن نضعها في الشنطة اليدوية، ولن ينتبه لها أحد، أما الوالد فقال: كلامكم غلط، وأخذ جواز الوالدة وذهب إلى قصر الشيخ عبدالله المبارك، الذي كان يعرفه جيداً، فقام الشيخ - يرحمه الله - بكتابة اسم المولودة في الجواز، وختم الجواز بختمه، وعدنا بالصغيرة بسلام.

الحديث عن أيام زمان والبساطة فيه يبدو مثل العجائب في هذه الأيام، فالسفر بالطائرات ذات المراوح كان متعة وسهالة، فلا يوجد خطف طائرات ولا إرهاب ولا مخدرات، وكان المودّعون يصلون إلى سلّم الطائرة يودعوننا ويوصوننا بأخذ الحيطة وطاعة قائد الطائرة، وفي إحدى السفرات ركب خالي صالح الطائرة لكي يُشرف على جلوسنا وربط الأحزمة، فأخذ يوصينا ويطيل في التوصية حتى تم إبعاد السلّم وأخذت الطائرة بالتحرك، فصحنا بصوت واحد على الطيار (هوب... هوب)، فأوقف الطائرة وجاؤوا بالسلّم وتم إنزال خالي من الطائرة.

أما بيتنا الكبير فذكراه لا تكاد تفارق ذاكرتي، وكان مكوناً من حوش كبير (1000م2) تتوسطه نافورة وتحيط به لواوين وعشر غرف وديوانية كبيرة للوالد، حيث يجتمع بعض رجال الأوقاف والفريج للفطور الجماعي اليومي في رمضان، وفي طرفه ممر يؤدي إلى المطبخ ودار الكيل (الچيل) ومرافق أخرى، وكان الوالد يحتل غرفتين مع الوالدة، وكان الأبناء من سنّي وأصغر ننام في غرفة واحدة، في حين كان إخواني الكبار مع زوجاتهم وأبنائهم في غرفتين لكل منهم، وكان نساء البيت يتناوبن على الطبخ، وكان الكبار يعلّمون الصغار ويدرسونهم.

أما الحوش فكان ملعباً لأبناء الفريج، نلعب فيه الكرة وألعاباً أخرى، وكان النساء لا يخرجن من الغرف إلى الحوش إلّا بارتداء الثوب الكويتي الخفيف الذي يغطي الرأس والبدن فوق الفستان.

وأما حفلات الزواج التي كانت تقام في الحوش وما فيها من رقص تراثي شعبي وسامري، فكانت تتم بعد إخراج جميع الرجال من البيوت، لأنّ رقص النساء أمام الرجال حرام شرعاً، وليس له وجود في تاريخنا وتراثنا.