في كل مرحلةٍ تمرُّ بها المؤسسات الخيرية، يظهر سؤال جوهري: هل التطوير الحقيقي يبدأ من كثرة المشاريع، أم من جودة الأنظمة التي تُدير هذه المشاريع؟
الواقع أن التجارب الحديثة أثبتت أن المؤسسات لا تُقاس فقط بحجم ما تُنفقه، بل بقدرتها على بناء الثقة، والثقة اليوم لم تعد تُبنى بالشعارات، بل بالحوكمة، والإفصاح، والوضوح، والقدرة على تقديم نموذج مؤسسي يحترم عقل المجتمع وحقه في المعرفة.
ما نشهده اليوم من تطورات تقودها وزارة الشؤون الاجتماعية تجاه تنظيم العمل الخيري، وتعزيز البيئة التشريعية والرقابية، ليس مجرَّد تحديثٍ إداري عابر، بل هو انتقال إلى مرحلةٍ جديدة يُصبح فيها العمل الخيري أكثر احترافية واستدامة، وأكثر قدرةً على حماية سمعته وتعزيز ثقة المجتمع به.
وقد أثبتت تجارب عديدة، داخل الكويت وخارجها، أن المؤسسات التي تبني أنظمتها بوضوح وشفافية تكون أكثر قدرةً على الاستمرار وجذب الدعم، فيما تفقد المؤسسات المرتبكة إدارياً جزءاً كبيراً من ثقة المجتمع مهما كانت نواياها جيدة.
البعض ينظر إلى الحوكمة على أنها تضييق، فيما المؤسسات الواعية تدرك أن الحوكمة الحقيقية ليست قيداً على العمل الخيري، بل حماية له.
فالمتبرع اليوم لا يبحث فقط عن بابٍ لفعل الخير، بل يبحث أيضاً عن جهةٍ تمنحه الطمأنينة بأن أثر تبرعه يصل بوضوح وكفاءة ومسؤولية.
فكلما ارتفعت معايير الإفصاح والامتثال، زادت ثقة المجتمع والمتبرعين، وأصبح القطاع أكثر قدرةً على الاستمرار والتأثير.
وفي الكويت تحديداً، نحن لا نتحدَّث عن قطاعٍ هامشي، بل عن تاريخ إنساني طويل جعل الكويت تُعرف عالمياً كمركزٍ للعمل الإنساني. لهذا، فإن أي تطويرٍ تشريعيٍ أو تنظيمي يجب ألا يُفهم باعتباره مواجهة مع العمل الخيري، بل محاولة لبناء بيئة أكثر احترافية وعدالة وشفافية تحفظ لهذا القطاع مكانته وسُمعته.
كما أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في إصدار اللوائح فقط، بل في قدرة المؤسسات على تحويل هذه اللوائح إلى ثقافة داخلية، فهناك فرق كبير بين مؤسسة «تلتزم» خوفاً من العقوبة، ومؤسسة تؤمن بأن الامتثال قيمة أخلاقية قبل أن يكون متطلباً قانونياً.
المرحلة القادمة تحتاج إلى عقليةٍ مختلفة، عقلية ترى أن الشفافية ليست استعراضاً، وأن الإفصاح ليس تهديداً، وأن الرقابة ليست خصومة، بل أدوات لحماية الثقة العامة.
ولعل أجمل ما يمكن أن تصل إليه أي مؤسسة خيرية، أن تُصبح الحوكمة جزءاً من هويتها، لا مجرَّد ملفات محفوظة في الأدراج.
وفي ميزان المعنى:
فإن المؤسسات التي تبني ثقتها على الوضوح لا تخشى النور، لأن الشفافية بالنسبة لها ليست اختباراً صعباً، بل هي انعكاس طبيعي لصدقها الداخلي.