الحكايات الكبرى ليست دائماً في العناوين العريضة أو أمام عدسات الكاميرات، بل ربما تختبئ في خطاب قديم، أو شكوى بخط اليد، أو ورقة مهملة داخل درج مغلق منذ عقود. من هذه المنطقة الحميمة والمخفية ينطلق كتاب «بخط اليد... الأوراق الخاصة لمشاهير ونجوم مصر» للصحافي المصري الباحث في الوثائق والأرشيفات محمد المالحي، ليعيد تقديم وجوه أخرى لنجوم الفن والثقافة والسياسة في مصر، عبر وثائق وأوراق تكشف ما دار خلف الستار بعيداً عن الصورة الرسمية المتداولة.

في نحو 130 صفحة، يتتبع المالحي عبر تسعة فصول عدداً من الأوراق الخاصة التي تخص شخصيات مصرية بارزة، مستنداً إلى أرشيف الباحث والمؤرخ الراحل مكرم سلامة، أحد أبرز جامعي الوثائق والأرشيفات في مصر والعالم العربي، إلى جانب وثائق خاصة محفوظة في أرشيف مكتبة الإسكندرية.

ويقدِّم المؤلف مادته بعين الصحافي الباحث عن التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها تحمل دلالات إنسانية وثقافية وسياسية واسعة، وبحس ناقد يربط بين التجارب الشخصية والتحولات العامة في المجتمع المصري.

Ad

يوسف شاهين

من أبرز ما يتوقف عنده الكتاب أوراق تخص المخرج العالمي الراحل يوسف شاهين، التي تكشف موقفه المبكر من قضية خصخصة السينما المصرية في منتصف التسعينيات، وتحذيره للمسؤولين من بيع أصولها، كما ينشر الكتاب طلباً تقدم به شاهين إلى الشركة القابضة للسينما لشراء «نيجاتيف» بعض أفلامه التي أنتجتها الدولة، وفي مقدمتها «الاختيار» و«الناس والنيل».

وتكشف تلك الوثائق جانباً مختلفاً من شخصية شاهين، ليس فقط كمخرج صاحب رؤية فنية، بل كصاحب موقف حاد تجاه مصير الصناعة السينمائية نفسها.

أحمد زكي

وفي فصل آخر، يسلِّط الكتاب الضوء على أزمة النجم الراحل أحمد زكي مع تسريب نسخة من فيلم «أيام السادات» إلى أندية الفيديو، وهي الأزمة التي أثارت غضبه بسبب الخسائر المادية التي طالته، ويستعرض المالحي المكاتبات المتبادلة بين زكي ومسؤولي «ماسبيرو»، إلى جانب تدخل وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف لاحتواء الأزمة، وتعويض الفنان عن جزء من خسائره عبر تعديل التعاقد.

وتكشف تلك الأوراق حجم الصراع الذي كان يدور خلف الكاميرات حول حقوق العرض والقرصنة، في وقت كان سوق الفيديو يمثل تحدياً حقيقياً لصناعة السينما.

خطاب نور الشريف

ولا يكتفي الكتاب باستعراض الوثائق الفنية، بل يغوص في تفاصيل النزاعات والخلافات التي بقيت بعيدة عن الجمهور، ومنها خطاب بخط يد الفنان الراحل نور الشريف إلى محاميه لبيب معوض، يطالبه فيه برفع دعوى قضائية مستعجلة لوقف عرض فيلم «العار» بسبب مخالفة المنتج بنود التعاقد.

كما يتناول الكتاب عقد شراء نور الشريف لرواية «ثقوب في الثوب الأسود» من الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس، وإيصالات استلام الأخير قيمة البيع على دفعات، بما يمنح القارئ صورة نادرة عن كواليس تحويل الأدب إلى السينما.

رومانتيكا

ومن أكثر فصول الكتاب إثارة، ما يخص الفنان الراحل زكي فطين عبدالوهاب وفيلمه «رومانتيكا»، الذي يصفه المالحي بأنه صاحب واحدة من أغرب القصص في تاريخ السينما المصرية، ويوثق الكتاب الخلافات الحادة بين عبدالوهاب والمنتجة مي مسحال، والشكاوى المتبادلة بينهما داخل غرفة صناعة السينما ونقابة السينمائيين، وصولا إلى الدعوى القضائية التي رفعها المخرج لفرض الحراسة على الفيلم ومنع عرضه.

شكاوى محمد فوزي

ويكشف الكتاب أيضا جانبا من معاناة الموسيقار الراحل محمد فوزي، من خلال شكوى تقدم بها إلى الرئيس جمال عبدالناصر عام 1959، يتحدث فيها عن تعنت الرقابة وتأثيره على تصدير أفلامه للخارج، بما يهدد مشروعه الفني بالإفلاس.

كما ينشر الكتاب شكوى أخرى تقدم بها فوزي ضد الكاتب الصحافي محمد التابعي، بسبب حملة صحافية رأى أنها أثرت سلبا على إيرادات أحد أفلامه، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة المعقدة بين الفن والصحافة في تلك الفترة.

خلاف فاتن ومريم

ومن بين القصص اللافتة، يكشف الكتاب كواليس الخلاف الشهير بين الفنانتين فاتن حمامة ومريم فخر الدين أثناء فيلم «لا أنام»، موضحا من خلال الوثائق كيف تسبب ترتيب الأسماء على الأفيش في إشعال الأزمة، بعد حيلة من المنتج عبدالحليم نصر، وصلت إلى حد تهديد محامي مريم فخر الدين بوقف عرض الفيلم.

حريق القاهرة

ولا يقتصر الكتاب على عالم الفن، بل ينتقل إلى ملفات السياسة المصرية، من خلال نشر وثائق تتعلق بتعويضات متضرري حريق القاهرة عام 1952، وخطاب تظلم حكمدار العاصمة إلى وزير الداخلية آنذاك فؤاد سراج الدين احتجاجا على قرار إقالته.

كما يتضمن الكتاب أول حوار أجراه فؤاد سراج الدين حول أسرار الحريق بعد سنوات من الإقامة الجبرية، إلى جانب خطاب مطول بخط يد اللواء محمد نجيب (أول رئيس مصري بعد ثورة 1952) إلى إحسان عبدالقدوس عام 1973، يشرح فيه أسباب خلافه مع الكاتب محمد حسنين هيكل.

عزلة جمال حمدان

ويختتم المالحي رحلته مع الوثائق بالتوقف عند خطابات عدد من رموز الثقافة والأدب إلى المفكر جمال حمدان خلال سنوات عزلته الاختيارية، لتبدو تلك الرسائل كأنها نافذة أخيرة على عالم المثقف المنعزل الذي ظل حاضرا بأفكاره رغم غيابه عن الأضواء.

وبين الوثيقة والحكاية، يقدم «بخط اليد» قراءة مختلفة لتاريخ المشاهير، ليس من خلال ما قالوه أمام الجمهور، بل عبر ما كتبوه لأنفسهم أو للآخرين في لحظات خاصة، حيث تسقط الأقنعة وتبقى الحقيقة أقرب ما تكون إلى أصحابها.