كان الأديب والشاعر والناقد المصري الكبير زكي مبارك يتمتع بثلاث شهادات دكتوراه، ونظراً لصعوبة تحقيق هذا الإنجاز بمقاييس عصره، أطلق عليه معاصروه والوسط الأدبي لقب «الدكاترة» كنوع من الإجلال والتعجب... واليوم تشهد الأوساط الأكاديمية والمنصات الرقمية حالة من الاحتفاء المستحق بالشاب المصري، الذي أسميه: المهندسون مصطفى مبارك، الذي سطر إنجازاً استثنائياً بتخرجه في جامعة «كنتاكي» الأميركية بثلاث درجات بكالوريوس في الهندسة، في ظرف أربعة أعوام فقط. وما زاد هذا الإنجاز بهجة وبهاءً هو ذلك الوفاء النبيل الذي أظهره مصطفى تجاه دولة الكويت، الأرض التي نشأ فيها وتلقى تعليمه في مدارسها الحكومية، حيث تداول الكثيرون ثناءه الصادق على البيئة التعليمية والمناهج التي أسست خطوته الأولى، ليرتفع صوت بعض المنادين بـ «قوة المناهج الكويتية» التي أخرجت هذا البطل.

ولكن، لكي نقرأ هذا الإنجاز بعيداً عن العاطفة والمبالغات، يجب أن نضع النقاط على الحروف، ونفكك هذا النجاح بواقعية تعيد الأمور إلى نصابها، فالإنجاز رائع ويستحق الثناء، لا أن نجعله ستاراً نغطي به واقع التعليم.

نحن نعلم يقيناً، وبشهادة الأرقام وإحصائيات اختبارات «تيمز» (TIMSS) و«بيزا» (PISA) الدولية الأخيرة، أن مخرجات التعليم العام تعاني تراجعاً مقلقاً مقارنة بالدول الخليجية والعالمية. كما أننا لا نستطيع إنكار أن الكثير من المخرجات التي تخرجت بنسب فلكية في سنوات مضت لم تكن تعكس الواقع المعرفي الحقيقي للطالب. وقد نقلت «الجريدة» في 2024 تقارير للمكاتب الثقافية بالخارج تكشف شكاوى جامعات مرموقة من تعثر مئات المبتعثين الكويتيين وعودتهم للبلاد. ويعود السبب المباشر لهذا التعثر إلى افتقار الطلاب للمهارات اللغوية والأكاديمية اللازمة لتجاوز المواد التخصصية.

Ad

عزيزي القارئ، إن تخرج مصطفى في الثانوية العامة بحصيلة ضئيلة في اللغة الإنكليزية، لم يثنِ عزيمته، بل زاده اجتهاداً وحرصاً لتطوير ذاته وقدراته دون أن يُلقي باللوم على المناهج التعليمية، بل نظر إلى نصف الكأس الممتلئ، وامتنّ لما اكتسبه من حصيلة علمية وخبرات اجتماعية من بلده الثاني الكويت.

إن نجاح مصطفى هو ثمرة تلاقٍ بين عزيمة شاب متفائل، سابق لسنه محب لمجتمعه ومنفتح للحياة، وبين الظروف والإمكانات التي وفرتها دولة الكويت لكل طالب على أرضها بلا تمييز. وكذلك لا ننسى الأنشطة التنموية الموازية التي احتضنته، فجهود برامج التطوير وبناء الشخصية مثل برنامجي «بريق» و«إيكاد»، والأنشطة الإذاعية المدرسية، كانت هي المحاضن الأولى التي صقلت لغة الجسد لديه، ومنحته الثقة للوقوف خطيباً في حفل التخرج ليمثل كلية الهندسة برمتها أمام آلاف الخريجين في أميركا.

إن أهم ما في الموضوع هو تخرج مصطفى في جامعة مرموقة تقدر المبدعين، ولو أنه التحق بإحدى كليات الهندسة العربية المتعجرفة، لربما تعثرت مسيرته وما حقق هذا النجاح الباهر، ولا تخرّج في أربعة أعوام، ولربما حصل على ثلاثة إنذارات بدلاً من ثلاث شهادات! فنحمد الباري عز وجل على سلامة هذا الرجل الطيب.

تحية «للمهندسين» مصطفى مبارك الذي أسعدنا بوفائه للكويت، ولوالديه اللذين أنجبا هذه الشخصية الجميلة.