• متى بدأت علاقتكِ بفن الرسم بالشمع؟
- بدأ الأمر كفضول فنّي، لكنه تحوّل تدريجياً إلى علاقة عميقة جداً، منذ اللحظة الأولى شعرت أن هذا الفن يشبهني على نحوٍ عميق، لأنه يقوم على التناقض بين الهشاشة والقوة، وبين الذوبان والبقاء، الرسم بالشمع ليس فناً سهلاً أو قابلاً للتوقع، فهو يعتمد على الحرارة، وعلى لحظة دقيقة جداً بين السيطرة والانسياب، وهذا ما شدّني إليه على المستويين النفسي والفني، حيث إنه ليس تقنية؛ بل حالة شعورية كاملة.
• تصفين أعمالك دائماً بأنها تولَد من النار... ماذا تقصدين بذلك؟
- لأن الشمع لا يُرسم فقط، بل يُولد من التحوّل نفسه، حين يذوب الشمع فوق السطح، تبدأ اللوحة بالتشكّل بطريقة حيّة جداً، وكأن النار تترك بصمتها داخل العمل. هناك دائماً عنصر مفاجأة، وهذا ما يجعل كل لوحة مختلفة حتى لو انطلقت من الفكرة ذاتها، أشعر أحياناً أن العمل الفني لا يكتمل بيدي وحدي، بل بالحوار بين الحرارة والخامة والضوء. لهذا أقول دائماً: بعض الفنون تُرسم بالألوان، وبعضها يولد من النار.
• طوّرتِ خلطة خاصة تناسب أجواء الخليج الحارة... كيف تعاملتِ مع هذه التحديات؟
- هذه كانت من أكبر التحديات التي واجهتني، الرسم بالشمع التقليدي يعتمد غالباً على شمع النحل، لكنّه يتأثر سريعاً بدرجات الحرارة، خصوصاً في بيئتنا الخليجية. لذلك بدأت منذ سنوات رحلة طويلة من التجريب والبحث حتى طوّرت خلطة خاصة تعتمد على شمع البارافين ممزوجاً بمواد أخرى تمنحه ثباتاً ومرونة أكبر، كان هدفي ألّا أفقد روح هذا الفن وشفافيته، وفي الوقت نفسه أن أجعل العمل قادراً على البقاء لسنوات دون أن يفقد وهجه أو تماسكه.
• لفت انتباهي ثلاثية القلب والعقل والروح في عملكِ «رحلة الكلمة»، ما الفكرة التي يحملها؟
- هذا العمل قريب جداً منّي على المستويين الإنساني والروحي. تقوم فكرته على رحلة الكلمة بين 3 محطات: القلب، والعقل، والروح. كنت أومن أن الكلمة لا تُقال فقط، بل تعيش وتتحوّل وتترك أثراً داخل الإنسان، استخدمت الحروف العربية بشكل خفيّ داخل التكوينات، وكأنها بقايا بوح قديم، بينما جاءت النقوش الإسلامية الذهبية كأثر لذاكرة بعيدة ما زالت حاضرة في وعينا، أردت أن أقول إن الكلمة لا تموت، بل تبقى معلّقة في الذاكرة، وتعود للحياة كلما مرّ الضوء فوقها.
• هل تقصدين أن تحمل أعمالك بعداً تأملياً واضحاً؟
- بالتأكيد، لأنني لا أومن بالفن السريع، وأبحث عن فن يُعاش لا يُشاهد بسرعة، ولذلك أحب الأعمال التي تدعو المتلقي إلى التوقف والتأمل، وأن يكتشف التفاصيل تدريجياً، لهذا استخدم الطبقات والملامس والعناصر ثلاثية الأبعاد، حتى يشعر المشاهد أن اللوحة تتغيّر مع الضوء والزوايا. أريد للمتلقي ألا يكتفي بالنظر، بل أن يشعر بأنه داخل حوار مع العمل نفسه.
• أنتِ أيضاً كاتبة وشاعرة... كيف تلتقي الكتابة مع الرسم في تجربتك؟
- أراهما امتداداً لبعضهما. أحياناً تعجز الألوان عن قول كل شيء، فتأتي الكلمات لتكمل المعنى، وأحياناً يحدث العكس تماماً، لهذا كانت النصوص المرافقة لأعمالي جزءاً من التجربة الفنية، وليست مجرد شرح مباشر للوحات، أنا مؤمنة بأن الفن الحقيقي لا ينتمي إلى وسيلة واحدة، بل إلى الإحساس الذي يتركه داخل الإنسان.
• لديكِ أيضاً مشاريع أدبية جديدة قيد النشر... ماذا تكشفين عنها؟
- أعمل حالياً على كتابين يشكّلان جزءاً مهماً جداً من رحلتي، الكتاب الأول يتناول تجربتي الفنية والإنسانية، وعلاقتي بالفن والشغف والتحوّل، وكيف يمكن للتجارب الداخلية أن تعيد تشكيل الإنسان من جديد، أما الثاني فيضم مجموعة من مقالاتي الأدبية والتأملية التي كتبتها خلال السنوات الماضية، وتحمل أسئلة تتعلق بالوعي، والمشاعر، والعلاقات، والتحولات النفسية والإنسانية، كما أعمل أيضاً على إعداد ديوان شعري، لأنّ الشعر بالنسبة لي ليس بعيداً عن الرسم، بل هو لون آخر للروح.
• حتى افتتاح معرضكِ الأخير كان مختلفاً... لماذا اخترتِ إشعال شمعة بدل قص الشريط؟
- لأن المعرض كله كان قائماً على فكرة الضوء والنار، شعرت أن إشعال الشمعة أكثر صدقاً مع روح التجربة من أي افتتاح تقليدي. كانت لحظة رمزية جداً بالنسبة لي، وكأن النور هو الذي يفتح أبواب الأعمال أمام الناس، وأعتقد أن هذه التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق أحياناً، لأنها تجعل الفن أكثر قرباً من الإحساس الإنساني.
• حصلتِ أخيراً على المركز الأول ضمن جائزة الذكاء والإبداع العربي 2025... ماذا يعني لكِ هذا التكريم؟
- بالتأكيد أسعدني كثيراً هذا التقدير، خصوصاً أن الجائزة جاءت بعد رحلة طويلة من العمل والتجريب والبحث الفني، فحصولي على المستوى الذهبي ضمن فئة الأفراد المتميزين في مجال الإبداع البصري والفني في جائزة الذكاء والإبداع العربي (AICA) لعام 2025 شكّل بالنسبة لي لحظة مهمة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل بوصفه اعترافاً بتجربة فنية مختلفة حاولت أن تقدّم الفن من زاوية إنسانية وتأملية، لكنني أومن دائماً أن القيمة الحقيقية لأي تكريم لا تكمن في الجائزة وحدها، بل في أثر الفن نفسه، وفي قدرة العمل على الوصول إلى الناس وترك شعور حقيقي داخلهم.
• الفن أحيانا طريقة لفهم أنفسنا.. فكيف تنظرين إلى الفن اليوم؟
- أراه ضرورة إنسانية، وليس مجرّد جمال بصري، الفن بالنسبة لي مساحة للوعي، وللشفاء الداخلي أيضاً. وربما لهذا اهتممت كثيراً بالعلاج بالفن، وسيكولوجيا الألوان، لأن اللون قادر على ملامسة مناطق عميقة داخل الإنسان دون كلمات، وفي النهاية، أعتقد أن الفن الحقيقي لا يُجمّل الإنسان؛ بل يكشفه، يمرّ بالنار، ويتعرّض للتشقق أحياناً، لكنه يخرج أكثر صدقاً، وأكثر قدرة على رؤية الضوء في داخله.