بداية، أشار تقرير «الشال» الأسبوعي لشهر مايو 2026 «إلى أن العجز المقدّر لكامل السنة المالية سيكون كبيراً جداً، وقد يكون الأعلى في ربع القرن الفائت، أي منذ تحرير الكويت، لأن وقف معظم الإنتاج سيستمر، حتى إن هدأت الأمور وأعيد فتح مضيق هرمز، فالعودة إلى معدلات الإنتاج القديمة تحتاج إلى شهور، ويبقى الأمل في تعويض ما نتج عن استمرار ارتفاع الأسعار».

وعليه، فما سبق يدقّ ناقوس الخطر، وفي زمن تتسارع فيه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية عالمياً ومحلياً، وتتراجع فيه قدرة الدول الريعية على استيعاب المزيد من الخريجين في الوظائف الحكومية، تقف دولة الكويت أمام مفترق طرق حاسم وحازم. ولعل الخيار في الوقت الراهن لم يعُد بين الإصلاح أو الجمود، بل الخيار بين اقتصاد منتج قادر على استيعاب أبنائه، أو أزمة بطالة مقنعة تحت مسمى «التوظيف العام».

وتشير الأرقام المنشورة من حكومة دولة الكويت الى أن موازنة 2026/ 2027، (ومن المتوقع أن ترتفع بشكل كبير بسبب الاحداث الجيوسياسية في الخليج)، بلغت الإيرادات المقدرة بحوالي 16.3 مليار دينار، مقابل إجمالي مصروفات بلغت 26.1 ملياراً، مما نتج عنه عجز متوقع بقيمة 9.8 مليارات.

Ad

وبتحليل بيانات الحساب الختامي لدولة الكويت، تعتبر المصروفات الخاصة بـ «الباب الأول: تعويضات العاملين» (الأجور والرواتب) هي المكون الأكبر والمهيمن على الموازنة العامة في الدولة، حيث شهدت هذه النسبة تصاعداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة نتيجة لزيادة التوظيف الحكومي والكوادر المالية.

وبمقارنة إجمالي المصروفات في الموازنات المعتمدة (أو الحسابات الختامية) من عام 2020/ 2021 وحتى موازنة 2026/ 2027، يلاحظ تطور نسبة الرواتب والأجور مع الدعوم كما في الجدول المرفق:

وبتحليل سريع للأرقام في الجدول يلاحظ ما يلي:

- يلاحظ ان النمو المستمر إذا أضفنا الدعوم، التي يذهب جزء كبير منها لدعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص إلى بند الرواتب، نجد أن المرتبات والدعوم معاً تستهلك نحو 75 إلى 80 بالمئة من إجمالي الإنفاق العام.

- تعتبر نسبة الاستدامة المادية من الأعلى عالمياً، وهي تشكل تحدياً للحكومة في ظل تقلبات أسعار النفط، حيث تلتزم الدولة بدفع هذه الرواتب، وهو التزام ثابت لا يمكن خفضه بسهولة.

- أن موازنة 2024/2025 تعتبر الأضخم تاريخياً من حيث المبالغ المرصودة للرواتب، حيث تمثل الرواتب وحدها حوالي 61 بالمئة من إجمالي المصروفات البالغة 24.5 مليار دينار.

ومما سبق يمكن تلخيص أهم التحديات التي تواجه سوق العمل ما يلي:

ــ ضعف الإنتاجية في بعض القطاعات بسبب الثقافة الوظيفية التقليدية.

ــ عجز الميزانية واعتمادها الرئيسي على النفط، مما يهدد استدامة التوظيف الحكومي.

ــ وجود فجوة مهارية بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الحديث.

وعليه، نقترح بعض من خطوات الإصلاح بما يتواءم مع المقترحات الاقتصادية العامة والأوضاع المحلية لدولة الكويت.

أولاً: تحسين وتطوير نظام التعليم الحكومي والخاص

يعتبر تطوير التعليم حجر الزاوية الأساسي لتحقيق رؤية كويت جديدة، وهو من أهم المرتكزات الجوهرية لسد الفجوة بين المخرجات الأكاديمية واحتياجات سوق العمل الفعلي، وذلك للانتقال من نظام يعتمد على الحفظ الى نظام يخرج أفراد مبدعين ومنتجين. وعليه نقترح ما يلي:

1. تحديث وتطوير المناهج الدراسية:

ــ تحديث المناهج الدراسية، والتركيز على التفكير النقدي وحل المشكلات.

ــ إدراج البرمجة والأمن السيبراني كأعمدة أساسية في التعليم، بدءا من التعليم الابتدائي.

ــ إدخال برامج الثقافة المالية من خلال برامج أساسيات الاقتصاد، والاستثمار والإدارة المالية الشخصية لتأهيلهم للعمل في القطاع الخاص.

2. تطوير وإعداد المعلم من خلال الاستثمار في المورد البشري، وذلك من خلال:

ــ تطوير رخصة مزاولة المهنة من خلال رخصة المعلم.

ــ ربط المكافآت والترقيات بمستوى الأداء للطلاب والإبداع، لا الأقدمية.

3. تعزيز دور وأهمية التعليم المهني وتشجيع الشباب على الانخراط في التخصصات التقنية وتقوية الشراكة مع القطاع الخاص.

4. ربط التعليم العالي بسوق العمل ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات القطاع الخاص من خلال الآتي:

ــ تطوير التعليم من التلقين إلى الإبداع، حيث لا إصلاح اقتصاديا من دون تطوير تعليمي حقيقي.

ــ إعادة هندسة المناهج لتواكب متطلبات المستقبل، مع التركيز على التقنية الحديثة، الابتكار، والمهارات الناعمة. 

ــ وعليه ليس غريباً أن أسواق العمل اليوم تبحث عن مبرمجين ومبتكرين، لا عن حافظين ومكررين، ويحسب للحكومة أخيراً تشجيعها للعاملين في مجال الأمن السيبراني والتحول الرقمي والتخصصات الرقمية. 

ثانياً: وقف التوظيف العشوائي والتركيز على توظيف الكفاءات لا الأعداد

ولعل أولى خطوات الإصلاح تبدأ بجرأة وقف سياسة «التوظيف العشوائي»، التي حوّلت الجهاز الحكومي إلى آلة استنزاف غير منتجة، (وخصوصاً تدخلات بعض أعضاء مجلس الأمة). ويتضح ذلك جلياً من خلال تشبُّع القطاع الحكومي، وخصوصاً النفطي وبعض الهيئات الحكومية، حيث وصلت نسبة التوطين (التكويت) في القطاع الحكومي إلى مستويات عالية (قاربت 85 بالمئة في كثير من الوزارات)، مما يعني محدودية الفرص الجديدة، وزيادة الأعباء المالية على الميزانية، ويتضح جلياً أن هناك غزارة في الإنتاج وسوءاً في التوزيع. وعليه يكون البديل المقترح هو الاعتماد على معايير الحاجة الفعلية والكفاءة لا التعيين العشوائي، بما يضمن وصول الكفاءات إلى مواقعها الصحيحة، ويوقف نزيف المال العام.

ثالثاً: القطاع الخاص شريك استراتيجي وليس بديلاً

لا يمكن للقطاع الخاص أن يقوم بدوره في التنمية دون بيئة محفزة، وهنا تأتي أهمية «الحزمة التحفيزية الشاملة»، التي لا تقتصر على الإغراءات المالية فحسب، بل تمتد إلى حوافز ضريبية ذكية، وتمويل ميسّر، وبرامج تدريب وطنية ترفع من جاهزية الكوادر وتنافسيتها. 

رابعاً: حماية العامل الوطني من خلال قانون عمل متكامل

لطالما كان الخوف من القطاع الخاص يتمثّل في غياب الضمانات. ولذلك، فإن إصدار قانون عمل متكامل لم يعد ترفاً تشريعياً، بل ضرورة وطنية توازن بين مرونة سوق العمل وحقوق المواطن، كما أن هناك حاجة ماسة لاستحداث او تطوير قانون يحمي، ولا يعطل، ويكفل بيئة عمل عادلة وآمنة، تحمي الموظف في بيئة العمل وتحفز العمل والتطوير والإبداع بشكل عام. وبدلاً من التوسع الحكومي، يجب تحفيز القطاع الخاص ليكون محرّك التوظيف الرئيسي وتشجيع العمالة الكويتية للعمل في القطاع الخاص (كبديل استراتيجي) عبر ما يلي:

1) تقديم حوافز للمواطنين في القطاع الخاص من خلال دعم الأجور، مثل برنامج «الدعم الحكومي للرواتب» لمدة محددة، تمكين الموظفين الكويتيين من تملّك الأسهم في الشركات الكبرى، وتوفير تدريب مهني مكثف بالشراكة مع الشركات في القطاع الخاص.

2) إعطاء حوافز للشركات في القطاع الخاص من خلال تقديم إعفاءات ضريبية وجمركية للشركات التي توظف نسبة عالية من الكويتيين، وكذلك تسهيل تراخيص العمل للمؤسسات التي لديها نسبة مرتفعة من التوطين للعمالة المحلية.

3) من الضروري تطوير ثقافة العمل، وذلك من خلال توفير برامج توعية وإبرام نماذج ناجحة من رواد الأعمال الكويتيين.

خامساً: إنشاء صندوق وطني ضد التعسف

لعل الفكرة جديدة، لكنّها مهمة في الوقت الراهن، وتساعد في إنشاء وتطوير شبكة أمان وظيفي جديدة إلى جانب القانون، لذا تقترح الرؤية إنشاء «صندوق وطني للتأمين ضد التعسف الوظيفي» يكون بمنزلة طوق نجاة لأي مواطن يتعرّض لفصل تعسفي أو إجراء مجحف. كما أن هذا الصندوق يعزز الثقة بالقطاع الخاص، ويجعل الانتقال إليه قراراً مدروساً لا مغامرة.

ولحماية المواطن من تعسّف القطاع الخاص ولضمان انتقال آمن، يجب بناء نظام حماية قوي من خلال الآتي:

1. تعزيز القوانين، وذلك بتفعيل قانون العمل في القطاع الأهلي من خلال تعديل القوانين الحالية لتحسين شروط الإجازات، وإنهاء الخدمة، وساعات العمل.

2. إنشاء محاكم عمالية متخصصة لبتّ النزاعات بسرعة، ونقترح إنشاء هيئة رقابية مستقلة لتلقي شكاوى العمال وفرض عقوبات على المنشآت المخالفة (مثل هيئة حقوق العاملين).

3. دعم وتعزيز دور النقابات العمالية المهنية من خلال السماح بتشكيل جمعيات لحماية الحقوق الجماعية.

4. تطوير نظام تظلّم إلكتروني يضمن السرعة والشفافية والسرية في معالجة الشكاوى.

ونقترح بشكل أوّلي لهيكلة هذا الصندوق أن تكون على النحو التالي: 

● يتم تمويله بمساهمة ثلاثية الأطراف، تساهم الدولة فيه بنسبة 60 بالمئة من رأس المال التأسيسي، ويساهم القطاع الخاص بنسبة 30 بالمئة عبر مساهمات سنوية وفق نسبة أرباح الشركات (على شاكلة ما يتم دفعه لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي)، فيما يساهم الموظفون في القطاع الخاص أنفسهم باشتراكات سنوية قدرها 100 دينار، على سبيل المثال، (يتم تحديدها من خلال دراسة مفصّلة تشرف عليها الهيئة العاملة للقوى العاملة ووزارة المالية). 

● يُدار الصندوق من خلال هيئة مستقلة تضم ممثلين عن الحكومة والقطاع الخاص والعمال، وتُستثمر موارده في محافظ استثمارية آمنة لضمان استدامته.

وختاماً، فإن النموذج الكويتي الجديد المقترح لمستقبل العمالة الكويتية لا يُصنع في مباني الوزارات، بل في ورش العمل، وفي منشآت القطاع الخاص، وفي بيوت الابتكار. والنموذج الأنجح هو ذاك الذي ينتج «مواطنًا منتجًا محمياً ومصاناً»، لا موظفاً حكومياً فقط.

إن ما تحتاجه الكويت اليوم ليس المزيد من الوظائف الشاغرة، بل رؤية واضحة تستعيد فيها الدولة دور القائد المنظم والداعم، لا دور الموظف الأكبر للعمالة الوطنية.