منذ يوم الثلاثاء 12 الجاري، وفي الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي ترامب للصين والتقى فيها الرئيس الصيني شي جينبينغ، انتقل العالم برمّته لصفحة جديدة عادت فيها التعددية القطبية في العالم، وكنتُ قد توقعت ذلك في مقالات منذ أكثر من 8 أشهر مضت.

فمنذ عام 1990، وتفكُّك الاتحاد السوفياتي، شهد العالم حالة القطبية الأحادية التي تمثلت بأميركا منفردة منذ ذلك العام وحتى عام 2025، أي لفترة زمنية استمرت 35 عاماً.

ومنذ 4 سنوات، بدأ العالم يعيش إرهاصات عودة التعددية القطبية، لتكون القوى العظمى فيه أميركا والصين، وربما روسيا، التي كانت الحرب الأوكرانية بوابة عودتها للقطبية، فروسيا في أوكرانيا لا تحارب دولة أوكرانيا منفردة، بل أوروبا بأكملها، بل حلف الناتو كله.

Ad

وغدت روسيا تمثّل قوة متعاظمة تهدد أوروبا بأكملها، إثر تفوقها بقدراتها القتالية والسياسية والاستخباراتية في هذه الحرب، وقد مثّل وصول ترامب للسلطة في أميركا لفترة رئاسية ثانية القشّة التي قصمت ظهر أوروبا، حيث أعلن ترامب مراراً وتكراراً تخلّيه عن أوروبا وعن حلف الناتو، وهو ما رفع حالة القلق المُلحّ من مواجهة مع روسيا، التي تعتقد أوروبا عدم القدرة على الصمود بمواجهتها ما لم تكن أميركا في صفّهم ومعهم.

ومَن يدرس القلق الأميركي المتزايد من قوة روسيا ومحاولة محاصرتها وقطع علاقاتها الاقتصادية بعقوبات متعددة يُدرك مكامن وأسباب القلق من قوة قطبية تستعيد مكانتها، ولذلك تصرّ أميركا على قطع علاقات كوبا مع روسيا بإسقاط النظام الكوبي، كما تلحّ بالاستيلاء على غرينلاند، باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة روسيا ومنطلق إنذارها المبكر.

وخلال السنوات الأربع الماضية، كرّست الصين تفوّقها التكنولوجي والصناعي والعسكري مقارنة مع أميركا، مما جعل الهمّ الأول والمقارنة المتكررة من قبل أميركا لنفسها مع الصين محاولة إثبات أنها هي المتفوقة لا الصين، والواقع يقول إن الصين غدت قوة قطبية متعاظمة، وقد كانت زيارة ترامب للصين هي مرحلة تدشين هذه الحقيقة من خلال النظرة المتعالية للرئيس الصيني لترامب، وتحذيراته بعدم الوقوع في فخ محاولة محاصرة دولة كبيرة بمواجهة دولة عظمى قادمة، مما يعني حتمية نشوب الحرب بينهما، إن لم يتعامل جميعهم تعامل الند مع بعضهم.

واليوم، يقف العالم حابساً لأنفاسه، وهو يرى أن القطبية المتعددة قد عادت، وأنها ثلاثية لا ثنائية (أميركا - روسيا - الصين)، وأن كلاً منها يستعد لحرب وجودية بتسلُّح نووي ضخم، إذا نشبت فسيعني ذلك نهاية العالم وتحوّله لوضع مختلف تماماً يصعب التكهُّن بنتيجته، والبديل هو التفاهم، وهو ما يعني اقتسام النفوذ بينهم، فتحظى أميركا بالقارة الأميركية (حديقتها الخلفية)، وجزء من أوروبا، ويُترك جزؤها الآخر لروسيا، إلى جانب تقاسم ثلاثي للشرق الأوسط، وانفراد الصين بجنوب شرق آسيا، وعلى دول العالم الأخرى وشعوبها ربط أحزمتها والاستعداد لهذه المرحلة الحرجة جداً.

وينبغي لها أن تبني تحالفات إقليمية قوية لتتخطى معركة وجودية قادمة، ولذلك أرى أن تحالف السعودية وباكستان وتركيا ومصر ودول مجلس التعاون يشكّل المنظومة التي تحقق لدولنا ومنطقتنا حفظ الوجود وتحديات مرحلة الصمود.