من حيث الفكرة، تبدو دورة الألعاب الخليجية مشروعاً رياضياً جميلاً على الورق، فهي أشبه برسالة ودّ بين أبناء الخليج أكثر منها بطولة تبحث عن القيمة الفنية الحقيقية، لكن بعد وصولها إلى نسختها الرابعة، لا يزال السؤال نفسه حاضراً في المدرجات قبل قاعات المؤتمرات: هل نحن أمام بطولة تنافسية فعلاً، أم مجرد «حضور واجب» رياضي مع بعض الصور التذكارية والميداليات اللامعة؟
المشكلة الأولى، وربما الأهم، أن كثيراً من الدول المشاركة لا تزال تتعامل مع الدورة وكأنها محطة تجريبية أو «تمشية حال وتقزر وقت»، المنتخبات أو الفرق المشاركة في أغلب الألعاب تأتي أحياناً بصفوف ناقصة أو بعناصر بعيدة عن الصف الأول، فيفقد الاحتكاك قيمته الفنية، فما الفائدة من بطولة خليجية إذا كان أفضل الرياضيين في المنطقة يشاهدونها من المنزل أو يتابعون نتائجها عبر الهاتف بين إعلان وآخر؟ البطولات لا تُبنى بالشعارات، بل بقوة المشاركين فيها، وإلا فسنظل نصفّق لأرقام لا تعكس الواقع الحقيقي للمستوى الرياضي الخليجي.
أما إعلامياً، فالوضع لا يقل غرابة، فهذه البطولة تعيش غالباً على حماس الدولة المستضيفة فقط، بينما بقية الإعلام الخليجي يتعامل معها بصمت بارد، وكأن الحدث يُقام في كوكب آخر. فجأة، عند حفل الافتتاح، تمتلئ الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بالصور و«التغريدات والبوستات»، ثم يعود الجميع إلى «وضعية النوم الرياضي»، لذلك لا بد أن نقول إن بطولة بلا زخم إعلامي حقيقي يصعب أن تكسب جمهوراً أو تصنع قيمة مستدامة، مهما كانت النوايا طيبة.
ثم تأتي نقطة الاستعدادات، وهي الحكاية التي تتكرر كل نسخة، بعض الوفود تصل وكأنها اكتشفت موعد البطولة مصادفة قبل أسبوعين، إعداد متواضع، معسكرات محدودة، وأحياناً نتائج تشرح نفسها بنفسها. وبعد الخسارة يبدأ الحديث المعتاد عن «الاستفادة الفنية» وقيمة البطولة من هذه الناحية، وهي الجملة التي أصبحت معتادة في الرياضة الخليجية، تُقال كثيراً ولا تغيّر شيئاً لأن أغلب من يقولها هو أول من لا يهتم بالمشاركة الجدية.
دورة الألعاب الخليجية تستحق أكثر من مجرد مشاركة من أجل المشاركة، تستحق مشروعاً حقيقياً يرفع من قيمة المنافسة ويمنح الرياضي الخليجي بطولة يفتخر بها فعلاً، لا مناسبة موسمية لحصد ميداليات سهلة ثم العودة إلى البيت وكأن شيئًا لم يكن، لأن الرياضة، تحتاج إلى عمل حقيقي جماعي ليست «أي كلام وخلاص».
بنلتي
تبقى دورة الألعاب الخليجية فرصة مهمة لتعزيز الرياضة الخليجية وتطوير التنافس بين الأشقاء، لكنها تحتاج إلى تعامل أكثر جدية من الجميع...اتحادات، إعلام، ورياضيين، فالبطولات لا تُقاس بعدد الميداليات فقط، بل بقيمتها الفنية وتأثيرها الحقيقي، وإلا فستظل مجرد مناسبة عابرة «وعساها ما تصير جذي».