في كل مرة تحاول فيها دول مجلس التعاون الخليجي التهدئة وبناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل يخرج الخطاب الإيراني الرسمي بتصريحات تُعيد المشهد إلى نقطة التوتر ذاتها، لغة التعالي والتهديد، وإنكار الحقائق، والكذب، والخداع، ومحاولة تصوير المعتدي على أنه الضحية. ولا أدل على ذلك من التصريح الذي صدر عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والذي لا يمت لمنصبه الدبلوماسي بصلة، بل هو تهريج واستخفاف وتعالٍ لا يدل على أن هذا الشخص دبلوماسي أو يتمتع بقدرٍ من الدبلوماسية، حين اتهم دولة الكويت بالاعتداء على قارب إيراني واحتجاز أربعة إيرانيين، مطالباً بالإفراج الفوري عنهم، مع التلويح بما أسماه «حق الرد!».

هذا التصريح لم يكن مجرَّد موقفٍ دبلوماسي متشنج، بل حمل في طياته قدراً كبيراً من الاستفزاز والاستخفاف بسيادة دولة الكويت وقوانينها وحدودها البحرية. فبحسب المعلومات المتداولة، فإن العناصر التي تم توقيفها ليست مجموعة صيادين ضلوا طريقهم في البحر، بل هم ضباط ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني، وقد تم ضبطهم داخل المياه الإقليمية الكويتية قُرب جزيرة بوبيان في عملية نفذتها القوات البحرية الكويتية بكل كفاءة واحترافية.

الكويت، كأي دولةٍ ذات سيادة، تملك الحق الكامل في حماية حدودها البرية والبحرية والجوية، والتعامل بحزم مع أي اختراق أمني، خصوصاً عندما يتعلَّق الأمر بعناصر عسكرية تتبع جهازاً معروفاً بسجله الحافل بالعمليات الأمنية والإرهابية والتدخلات الإقليمية. والمضحك محاولة النظام في طهران تصوير الأمر وكأنه اعتداء من الكويت عندما أرادت الدفاع عن سيادتها وحماية أراضيها ضد تسلل عناصر ما يسمَّى «الحرس الثوري»، والذين اعتادوا على انتهاك سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية.

Ad

المقلق في الأمر ليس فقط الحادثة نفسها، بل العقلية السياسية التي تتعامل بها إيران مع دول الجوار، فمن العراق إلى لبنان واليمن وسورية ارتبط اسم الحرس الثوري الإيراني مراراً بملفات التدخل الأمني والعسكري، ودعم الميليشيات، وخلق بؤر التوتر. لذلك، فإن أي تحرُّك لعناصر تابعة لهذا الجهاز الإرهابي داخل مياه دولة خليجية لا يمكن التعامل معه ببساطة أو بحُسن نية.

الكويت عُرفت دائماً بسياسة متزنة، وبحرصها على علاقات قائمة على الاحترام وعدم التصعيد، لكنها في المقابل ليست دولة تقبل المساس بأمنها أو تجاوز حدودها. وما قامت به القوات الكويتية يُعد واجباً وطنياً وقانونياً يحظى بدعم كل مواطن يؤمن بسيادة بلاده وأهمية حماية أمنها القومي.

إن المطلوب اليوم ليس الرضوخ للضغوط أو الالتفات إلى لغة التهديد، بل تطبيق القانون الكويتي بكل شفافية وحزم، وترك القضية تأخذ مسارها القضائي والأمني الطبيعي. فالتهاون في قضايا تمس الأمن والسيادة يفتح الباب أمام تكرارها، فيما الحزم المدروس يبعث برسالةٍ واضحة مفادها أن الكويت قادرة على حماية حدودها والتعامل مع أي تجاوز مهما كان مصدره.

في النهاية، تبقى العلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على منطق القوة والابتزاز السياسي. أما التصريحات المتعالية ومحاولات فرض الأمر الواقع، فلن تؤدي إلا إلى تعميق فجوة الثقة، وزيادة التوتر في منطقة هي أصلاً في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار والحكمة.