الغزو العراقي للكويت لم يكن مجرد احتلال عسكري عابر، بل كان لحظة ولادة خوف تاريخي داخل العقل الكويتي. لحظة سقطت فيها كل الأوهام دفعة واحدة، وهم الأخوة العربية، ووهم أن الثروة تحمي، ووهم أن القانون الدولي يكفي لبقاء الأوطان.
خلال ساعات فقط، اكتشف الكويتيون أن الدولة في هذا الشرق يمكن أن تُسحق إذا غفلت، وأن الجغرافيا لا ترحم الضعفاء. ومنذ 1990 تشكّلت العقيدة الكويتية الجديدة: البقاء أولاً. بقاء الدولة، بقاء الهوية، وبقاء الجبهة الداخلية متماسكة في منطقة تحترق بالمشاريع التوسعية والطائفية والانهيارات السياسية.
ثم جاءت الاعتداءات الإيرانية، والتصعيد المستمر في الخليج، لتعيد للكويت ذاكرة الخطر من جديد، فإيران اليوم لا تتحرك فقط بالسلاح، بل بالنفوذ والاختراق الإعلامي والطائفي والسياسي، تماماً كما حاول غيرها سابقاً فرض الهيمنة على المنطقة، والكويت تدرك جيداً أنها تعيش وسط إقليم لا يعترف إلا بالقوة والتماسك الداخلي.
الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط الصواريخ أو الحروب التقليدية، بل اختراق وعي المجتمع نفسه، عبر نشر الانقسام والكراهية والولاءات العابرة للحدود، وتحويل بعض الأصوات إلى أدوات تخدم مشاريع الخارج تحت شعارات دينية أو سياسية أو أيديولوجية، وهذه أخطر من أي دبابة، لأن الدول لا تنهار فقط من حدودها... بل من داخلها أولاً، لذلك أصبحت الجبهة الداخلية بالنسبة للكويت قضية بقاء، لا شعاراً إعلامياً، فالوطن الذي ينقسم على نفسه يصبح سهل الابتلاع، مهما امتلك من المال أو التحالفات.
وما حدث للعراق وسورية ولبنان واليمن لم يكن بعيداً عن هذه الحقيقة، كلها دول بدأت بالسقوط حين ضعفت فكرة الدولة وصعدت الولاءات الضيقة فوق الهوية الوطنية. الكويت اليوم تعرف أن أكبر معركة ليست فقط حماية الأرض، بل حماية وعي المجتمع من الاختراق، لأن الدولة التي يتحول شعبها إلى جماعات متصارعة، أو أبواق لمشاريع الخارج، تكون قد بدأت العد التنازلي للسقوط حتى لو بدت مستقرة من الخارج، لهذا لم تعد الكويت تنظر إلى أمنها الوطني كملف سياسي قابل للمساومة أو المجاملة، الأمن اليوم يعني بقاء الوطن نفسه، ويعني أن أي عبث بالوحدة الوطنية أو أي تهاون مع مشاريع الاختراق هو تهديد مباشر للدولة، لا مجرد اختلاف سياسي عابر.
في هذا الشرق القاسي، الدول التي تتردد تُبتلع، والدول التي تنقسم تنهار، والدول التي لا تتعلم من تاريخها تُعاقب مرة أخرى. والكويت تعلّمت الدرس بالدم والنار... ولذلك أصبحت عقيدتها واضحة: لا شيء يعلو فوق بقاء الدولة، ولا صوت يجب أن يكون أعلى من حماية الوطن والجبهة الداخلية مهما كانت الشعارات والضجيج.