قد يبدو العنوان مُستغرباً، إلا أنه يعكس، في أحيان ليست بالقليلة، واقع التعامل مع هذه البيانات في العديد من الدراسات والتقارير والبحوث الاقتصادية في العديد من البلدان النامية غير المصنّعة حديثاً. ويعني هذا التوصيف تطويع البيانات، بدون وعي، أو حتى تتسق نتائجها مع التصورات والقناعات المحددة مسبقاً. وتتخذ أساليب تطويع البيانات (التعذيب في حالة اشتداد التطويع) العديد من الأشكال، والتي منها، على سبيل المثال لا الحصر: أولاً، عند محاولة تسويق العلاقة الطردية بين تخفيض سعر الصرف، وارتفاع الصادرات، لقناعات فكرية مسبقة، يتم استخدام سعر الصرف الاسمي Nominal Exchange Rate، المُعلن من البنوك المركزية (بافتراض عدم وجود تعدد لأسعار الصرف)، وغالباً ما تكون النتيجية عدم ارتفاع عوائد الصادرات، والأخطر ارتفاع الإنفاق على الواردات (وبالتالي تفاقم عجز الحساب التجاري). وهنا يكون اعتراف البيانات المستخدمة (سعر الصرف الاسمي) باهظ التكاليف. في حين أن سعر الصرف المطلوب اختباره هو سعر الصرف الحقيقي Real Exchange Rate، وسعر الصرف الحقيقي الفعّال Effective Real Exchange Rate، لدورهما في تحديد التباين بين معدلي التضخم، وحصة البلدان المستوردة في صادرات البلد المعني، تباعاً. وهي اعتبارات لو تمّ أخذها بنظر الاعتبار لما تحققت العلاقة الطردية، في حالات ليست بالقليلة، بين انخفاض سعر الصرف وارتفاع الصادرات في العديد من البلدان النامية ومن ضمنها العربية (الصادرات غير النفطية في حالة البلدان المصدرة للنفط العربية)، إلّا في حالة وجود أنشطة صناعية تحويلية، وخدمات، ومنتجات زراعية قابلة للتصدير على أسس تنافسية، وهو أمر لم يتحقق، بشكل واسع، في العديد من هذه البلدان غير المصنّعة حديثاً. كما أن أغلب الدراسات والتقارير والبحوث، لا تقوم باختبارات بيانات مرونة طلب صادرات وواردات البلد المعني تجاه الأسعار، وهو اختبار أساسي للتأكد من العلاقة الطردية. ويتم كل ذلك بهدف تسويق فكرة أن تخفيض سعر الصرف يؤدي إلى ارتفاع الصرف بعد تجريد البيانات من قيمها المتسقة مع شروط التعامل مع سعر الصرف، ومرونة بيانات الصادرات والواردات.

ثانياً، تتعدد، في أحيان كثيرة، مصادر بيانات عدد من التقارير والبحوث والدراسات، من المصادر الرسمية الوطنية إلى المؤسسات الدولية، وغيرها. وقلما، ويندر في أغلب الحالات، أن تتم عملية توحيد تعاريف البيانات من المصادر المختلفة، وما يترتب على ذلك من نتائج مضللة تظل على حالها إذا خدمت الأهداف المسبقة المحددة للنتائج. فعلى سبيل المثال، تقوم بعض البلدان، وفقاً لتعليمات دليل الإحصاءات الحكومية (آخر دليل لعام 2024)، والمُتبع دولياً، بتضمين مدفوعات الفائدة على القروض ضمن الإنفاق الجاري (بالإضافة الى تضمين بنود أخرى. علماً بأنه تقل، أو تختفي، ظاهرة استبعاد بنود من الموازنات العامة Off Public Budget في البلدان المتقدمة، وتزيد في حالة عدد من البلدان النامية)، في حين تستبعده بلدان أخرى تابعة لنفس الإقليم. وعند العودة الى الإحصاءات الصادرة من المركز الإحصائي الإقليمي لهذ الدول، يلاحظ مقارنة فائض/عجز الموازنات العامة للدول الأعضاء، وهي مقارنة غير دقيقة لأداء الموازنات، لأنها لم توحّد تعريف بيانات متغيرات الموازنة. وبالتالي تكون المقارنات ضعيفة الدلالة الاقتصادية. توحيد تعاريف اليانات يحتاج الى جهد واعٍ وفني، قلما يتم الأخذ به في البلدان المعنية. 

ثالثاً، يعتبر الإنفاق الاستهلاكي الخاص (العائلي) أحد المحرّكات الرئيسية لمعدل النمو (يأتي في المقام الثاني، في حالة دولة الكويت، بعد الصادرات النفطية). ووفقاً لنظام الحسايات القومية (آخر نظام معمول به لغاية الآن هو لعام 2008، والقادم لعام 2025)، إلا أن إهمال أو التغاضي عن تعديل قيمة هذا الإنفاق من خلال إضافة ما ينفقه القطاع العائلي لبلد معين في الخارج، وطرح المشتريات الاستهلاكية للأجانب (المقيمين لأقل من سنة) من سوق البلد المعني (علماً بأن البلدان الأجنبية يجب أن تضيف ما أنفقه رعاياها بالخارج الى إنفاقها الاستهلاكي العائلي)، يترتب عليه تقليل دور الاستهلاك العائلي في النمو. ويترتب على ذلك أن قيمة الإنفاق الاستهلاكي العائلي للبلدان التي تشهد حركات سياحية وزيارات للأجانب ملحوظة، لأقل من سنة، لبلد معين، سيتأثر سلباً، وينعكس ذلك على معدل النمو. القيام بتعديل قيمة الإنفاق الاستهلاكي العائلي يحتاج إلى جهد أيضاً، ويؤخذ، مهنياً، من مسح الإنفاق والدخل للعوائل (الذي لا يتم إصداره، كما يجب، سنوياً!). 

Ad

رابعاً، دائماً ما تُعالج كافة الأجوربالقطاعات الحكومية، في البلدان النامية التي تنتشر بها ظاهرة البطالة المُقنعة Disguised Unemployment على أنها «دخل». ويُعرّف الدخل، اقتصادياً، على أنه كل تدفق نقدي يقابله تدفق سلعي أو خدمي. وبالتالي تعتبر كافة هذه الأجور جزءاً من القيمة المضافة أو الناتج المحلي الإجمالي للبلد المعني (يعادل هذه الناتج، من وجهة نظر الدخول الأجور + الفوائد + الأرباح + الإيجارات). إلا أن مفهوم البطالة المقنّعة يعني أن بالإمكان سحب ممن يصنفون تحت العمالة المقنعة دون أن تتأثر الإنتاجية. أي أن ما يتسلمه المصنفون تحت هذه البطالة هو ليس دخلاً (استلام أجر دون مقابل على شكل خدمة أو سلعة)، بل هو تحويل من الموازنة العامة للدولة، من وجهة نظر الحسابات القومية. وبالتالي فإن هناك تضخيماً للأجور وتقليلاً لقيمة التحويلات (وهذه الأخيرة لا تعتبر جزءاً من الناتج المحلي الإجمالي). الأمر الذي سيقلل من قيمة الناتج لو تمّ تنقية بيانات الأجور العامة (وبالتأكيد أن بعضها هو دخل) من إجمالي الأجور التي لا تدر خدمات أو سلعاً. 

ختاماً، الأمثلة كثيرة جداً على سوء استخدام البيانات وتطويعها، إما بدون وعي، أو لتخدم نتائج مسبقة. وعليه، هناك حاجة لجهد مهني، ذي تدريب متطور، لتحديد أوجه سوء استخدام البيانات لتحقيق أهداف غير حقيقية من وجهة النظر الاقتصادية.