«اتقِ شر مَنْ أحسنت إليه»، مثلٌ عربيٌ شهير لا يزال تتداوله الألسن، فهو يحمل في طياته نظرة واقعية، قد تبدو صادمة، فلا يُفترض أن يُتَّقى شر مَنْ أُحسِنَ إليه، ولا أن يأتي منه سوء، ما لم يكن ذا نفسٍ شريرة، فالأصل أن مَنْ يعمل الإحسان لا ينتظر أجره، تأسياً بقوله تعالى: «إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»، وأن مَنْ يتلقى الإحسان يكون له شكوراً.
مَثَلنا لا يحث على ترك الإحسان، ولا على التوقف عن فعل الخير، وهو لا يُقال للكريم الذي أكرمته، لكن يُقال للئيم ناكر الجميل، لمَنْ أنكر إحسان مَنْ ساعده أو تصدَّق عليه، فالأمر يعتمد على معدن الإنسان، فكريم الأصل يأسره الإحسان، أما لئيم الطبع فيرى في الإحسان ضعفاً أو استعلاءً، فيقابله بالتمرُّد.
السنة النبوية لم تنهَ عن الإحسان، لكنها طلبت من صاحبه أن يكون «كيساً فطناً»، يُحسن للناس لله، ويحمي نفسه بذكائه وحذره من طعنات الغدر، وقد قِيل: «الناسُ اغتراس، فاحذر ما تغرس»، وإلا حصل لك ما حصل لـ «مُجير أم عامر» من غدر ونُكران للجميل، و«أم عامر» هي كنية الضبع عند العرب.
فقد رُوي أن جماعة من الصيادين خرجوا لمطاردة ضبع، فالتجأت إلى خِباء أعرابي مستجيرةً به، فأتاه الصيادون يطلبون طريدتهم، فقال لهم: «والله لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي، فقد استجارت بي»، فانصرفوا عنه.
ونظر الأعرابي إلى الضبع فوجدها جائعة ومنهكة، فسارع إلى إطعامها حتى شبعت. نام الأعرابي في ظل خيمته مطمئناً لفعل خير بنفسٍ جائعة، فلما استعادت الضبع قوتها، رأت مَنْ أحسن إليها نائماً، فغلب عليها طبعها الغادر، فوثبت عليه، وبقرت بطنه، وتركته جثةً هامدة.
جاء ابن عم للأعرابي يطلبه، فوجده قتيلاً، وعرف أن الضبع هي التي فعلت ذلك، فلحق بها حتى قتلها، ثم أنشد أبياته الشهيرة، قائلاً فيها:
وَمَن يَصنَعِ المَعروفَ في غَيرِ أَهلِهِ يُلاق الَّذي لاقى مُجيرُ أُمِّ عامِرِ
أَدامَ لَها حينَ استَجارت بِقُربِهِ طَعاماً وَأَلباناً لِقاحٍ غَوازِرِ
فَلَمَّا استَعَدَّت وَاستَقَرَّت بوطئها رَمَتهُ بِأَنيابٍ لَها وَأَظافِرِ
فَقُل لِذَوي المَعروفِ هَذا جَزاءُ مَن بَدا يَصنَعُ المَعروفَ في غَيرِ شاكِرِ
الغدر طبع وصفة متأصلة في قلوب البعض، وكما غدرت «أم عامر» بالأعرابي غدر العراق- ولا يزال يغدر- بالكويت. غدر بالكويت وهو تحت حُكم صدام حسين، ولا يزال يغدر وهو تحت الهيمنة الإيرانية وميليشياتها العميلة. إيران والعراق غدرا- ولا يزالان- بدول مجلس التعاون، رغم الدعم الإنساني والسياسي لهما، فماذا جنينا من وراء ذلك الإحسان غير الشر والغدر والعدوان؟
ستظل تجربة دول الخليج المريرة مع العراق وإيران، ومع بعض الدول والأحزاب، حاضرة لا تُنسى، بأن فعل الخير مع من لا يستحق ينقلب شراً على صاحبه، فحصل وانقلبوا كلهم علينا مرات ومرات. فلقد لُدِغنا منهم ولا نزال.
لفد انطبق على الجميع المثل القائل: «ما تموت الجمايل إلا ببطون الأنذال».