تعد قضية التوافق بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل في الكويت ضرورة استراتيجية غاية في الأهمية لا غنى عنها لتحقيق «رؤية كويت جديدة 2035»، حيث يمثل الاستثمار في الرأس المال البشري الركيزة الأساسية للتحول نحو اقتصاد المعرفة، الذي يمثل ميزة تنافسية للمجتمعات، لذلك فإن ضرورة هذا التوافق تكمن في تمكين الشباب الكويتيين من قيادة القطاعات الحيوية، وتقليل الاعتماد على العمالة الخارجية في التخصصات الفنية والدقيقة، والجامعات اليوم لم تعد مجرد قاعات لتلقي المعرفة النظرية، بل هي «مصنع للكفاءات» التي يجب أن يرفد الدولة ويمدها بمبتكرين وقادة قادرين على التعامل مع تحديات الثورة المعرفية الجديدة المتمثلة بمرحلة الذكاء الاصطناعي، مما يضمن الاستدامة المالية للدولة عبر توجيه الطاقات الشابة نحو قطاعات منتجة تساهم في تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
وعند قراءة الواقع الكويتي، نجد أن هناك فجوة ملموسة بين التخصصات الأكاديمية واحتياجات السوق الفعلية، حيث لا يزال هناك تضخم في أعداد الخريجين في التخصصات التقليدية مقابل شحّ في الكوادر الوطنية المتخصصة في الأمن السيبراني، الطاقة المتجددة، والعلوم التقنية المتقدمة، ويعاني الواقع من «تضخم وظيفي» في القطاع العام يعقبه بطالة مقنعة، بينما يظل القطاع الخاص معتمداً على الخبرات الأجنبية نتيجة افتقار بعض المخرجات المحلية للمهارات الناعمة (Soft Skills) والخبرة الميدانية المباشرة، وهذة الفجوة الهيكلية تستلزم زيادة قنوات التنسيق بين جامعة الكويت والجامعات الخاصة من جهة، وبين ديوان الخدمة المدنية وغرفة تجارة وصناعة الكويت من جهة أخرى.
ولعلاج هذا الفجوة، يتطلب الأمر حزمة حلول جذرية تبدأ من «رسم خارطة طريق للمهن المستقبلية» تلتزم بها مؤسسات التعليم العالي عبر تحديث مناهجها دورياً وتجميد التخصصات المشبعة، ويجب الانتقال نحو «التعليم المهني» عبر إلزامية التدريب الميداني في القطاع الخاص كشرط للتخرج، مع تفعيل الشراكة الفعلية عبر «المجالس الاستشارية في سوق الأعمال» التي تمنح أرباب العمل دوراً في تصميم التوصيف الوظيفي للمناهج التعليمية، كما ينبغي تعزيز ثقافة دعم الشركات الناشئة من خلال الصندوق الوطني لدعم المشروعات الصغيرة، لتحويل الخريج من «باحث عن وظيفة» إلى «صانع لفرص العمل»، وبذلك نضمن مخرجات تتسم بالمرونة والقدرة على المنافسة في سوق عمل عالمي مفتوح.
* باحث أكاديمي