يعلم المواطن «كاف» أن طاعة ولي الأمر - كما بر الوالدين - من المُسلمات التي لا جدال فيها، لا سيما في أوقات الشدائد. لذلك لا يمكنه أن يعارض أمه مثلاً حين قررت أن سبب اختفاء ابنها داخل دهاليز البيت - بعدما صعد الدرج متجهاً إلى داره - يعود إلى مخططٍ آثم نفذته عصابة طاقم المنزل، أي العمالة المنزلية.
ولذلك أيضاً لا يمكن لـ «كاف» حتى أن يتفوه بـ «تأ» حين طلبت والدته رجال الشرطة، وطالبتهم باعتقال الطاقم وتسفيرهم جميعاً على الفور، بتهمة اختطاف وحبس ابنها المحبوب. ووفقاً للائحة اتهام والدة «كاف» فإن العصابة مؤلفة من: راجو السائق الهندي «الذي يقضي وقته في النوم والتسكع مع حبيبته الخادمة مارتيز الفلبينية «سارقة التراجي»، والطباخ السريلانكي سومودو «الذي يبيع أرز التموين سراً لجماعته».
والحال أثناء هذه الأحداث المريعة أن «كاف» المسكين كان جالساً في داره، يستمع إلى كل هذه التفاصيل عبر المتاهة العجيبة التي صنعها بأصابعه الصناعية، والتي توصل له الأخبار دون أن توصل صوته، فقرّر «كاف» أن يتصرف، وأن يستخدم أصابعه الفذّة لاستحداث فتحات في الجدران، علّه يخرج بأي طريقة من تلك المتاهة اللعينة التي صنعها لنفسه.
وبينما هو منغمسٌ في ذلك، يرن هاتفه فجأة. كانت المتّصلة الدكتورة «كافه» - حبيبته ومالكة فؤاده، فردَّ بحماس، ودار بينهما الحوار الآتي:
كاف: حبيبتي؟
كافه: طل!
كاف: اشتقت لك.
كافه: شلومو يسلم عليك.
كاف: من شلومو؟
كافه: ولو؟ شلومو حبيبي وحياتي وخطيبي، و...
كاف: فيها بعد «و»؟
كافه: وقريباً زفافنا.
كاف: أتريدين قتلي؟
كافه: بالعكس، أريد إنقاذك.
كاف: كيف؟
كافه: أصابعك لن تنفعك قبل أن...
كاف: قبل أن؟
(فاصل موسيقي رومانسي... يتلذذ به «كاف» قبل أن... تخبره «كافه» أن هذه رنة تلفونها الثاني وأن شلومو يتصل بها)
كافه:... تتخلص من جميع أسنانك.
كاف: فدوة لك.
كافه: وتتخلص من كل طاقم منزلك.
كاف: تم.
كافه: وتتخلص من كل أصحابك.
كاف: ليس لدي أصحاب أصلاً.
كافه: وتعتذر من شلومو.
كاف: أعتذر من عدوي؟
كافه: وتبوس يده.
كاف: قبلة الموت.
كافه: كيفك. طاف.
وبهذه الكلمة اليومية، القصيرة، الموجعة «طاف» انتهى الاتصال وقُطع الوصال بين «كاف» وحبيبته «كافه». فأخذ «كاف» يبكي، ثم بدأ يعضّ أصابعه الصناعية من شدة الجوع، ويلتهمها واحداً تلو الآخر، حتى شبع، وأصبح مُشوه اليدين، وفجأة رأى عموداً نحيلاً من النور يتسلّل إلى غرفته المظلمة، فعرف أن المتاهة التي صنعتها أصابعه بدأت بالتلاشي، فاستمر «كاف» ينهش ما تبقّى من أصابعه الصناعية حتى آلمه بطنه، واحتفاءً بخلاصه من المتاهة قرر أن يأخذ كلمة حبيبته الأخيرة بصيغة وعد ويخلدها، وأن يُطلق على نفسه اسماً جديداً يحمله من الآن إلى آخر أيامه: «المواطن طاف».