•  صدر لك أخيراً كتابك النقدي «البوليفونية الزائفة في الرواية العربية»، حدثنا عنه.

- يعالج هذا الكتاب إشكالية غياب التعددية الصوتية الحقيقية في السرد العربي، مبيناً أن ما نراه، في كثير من الروايات، هو تعدُّد شكلي للأصوات والضمائر، أي تعدُّد زائف، فيما تظل الرواية محكومة بسُلطة الصوت الواحد، الأحادي والمهيمن، للمؤلف، وتشريح الجذور الثقافية، والحفر عميقاً في أسباب تلك الأحادية، العائدة إلى أسباب كثيرة، منها: الموروث الشفاهي، والنزعة اليقينية الأحادية في التفكير، وهيمنة ما أسميه باللغة المقدَّسة، لغة المؤلف التي يعتبرها غير قابلة للمساس، متجاهلاً تأثيرها المدمر الذي يُذيب خصوصية أصوات الشخصيات. كذلك يطرح الكتاب مسألة الأمية الروائية التي تجعل الكاتب العربي يعتمد حصراً على ما يسميه الموهبة، من دون أي محاولة لتطوير أدواته الفنية. كذلك يربط الكتاب بين غياب البوليفونية وهيمنة أنماط التفكير الديني والسياسي والاجتماعي التي تقمع الاختلاف. ولا يكتفي الكتاب بالعرض السطحي، بل يفكِّك البنية اللاواعية التي تنتج هذا النمط من الزيف، سواء في الكتابة أو القراءة، ويقدِّم تصوراً نظرياً وعملياً للانتقال نحو بوليفونية حقيقية تقوم على الحُرية الفنية، وتعدُّد الرؤى، وامتلاك شجاعة التخلي عن احتكار الحقيقة، ومن قبل ذلك ومن بعد، امتلاك وعي نقدي شجاع ومختلف.

ارتباك البناء الروائي

Ad

•  ما الصعوبات التي واجهتك فى إعداد الكتاب، والأسباب التي دفعتك للكتابة؟

- هي قضية تشغلني منذ سنوات. أقصد البوليفونية الزائفة، والاستهتار الذي يكتب به الكثير من الروائيين العرب، ولو أني لم أفكر في مصطلح «البوليفونية الزائفة» تحديداً إلا منذ بضعة أشهر، لتوصيف الظاهرة التي سبَّبت لي نفوراً كبيراً من كثير من الروايات، خصوصاً التي تلقى عليها الأضواء بكثافة، وتمنح من المديح الكثير من دون وجه استحقاق. هي مسألة مزعجة بحق، أن تريد الدخول في عالم الرواية، لكن تجد حواجز عالية تمنعك من ذلك، وأبرزها طغيان صوت المؤلف على صوت الشخصيات، وارتباك البناء الروائي بهيمنة الحكاية على كل شيء آخر مما تطلبه الرواية كفنٍ مستقل بذاته. كتبت كثيراً عن ذلك منشورات قصيرة في «فيسبوك»، لكن منذ بضعة أشهر وجدت أن الأفكار لدي اختمرت بما يكفي لكتابة مقالات طويلة حول تلك القضايا، فبدأت بنشر سلسلة من المقالات في الصحف العربية، وهي التي تشكِّل متن هذا الكتاب. لذلك، وبحُكم طبيعة الكتاب، المعتمدة أساساً على التحليل والتعليق، لم أواجه صعوبات كبيرة في إعداد الكتاب. هي أفكار تشغلني منذ سنوات، وحين اختمرت كتبتها مقالات، ثم توسعت فيها وحرَّرتها بما يلزم، لتشكل فصول كتابٍ موحد حول إشكالية غياب الأصوات المتعددة في الرواية العربية، أسباب الظاهرة، إرهاصاتها، ونتائجها.

وحشية طنجة

•  استوحيت في أعمالك مجموعة من المدن العربية والأجنبية، من بينها مدينة طنجة تحديداً، وظهر الاهتمام في رواياتَي «كافكا في طنجة»، و«ليل طنجة»، فهل لنا أن تقربنا من طبيعة تمثلك الروائي للمدينة بشكلٍ عام في أبعادها وتجلياتها الإبداعية؟

- لو خرجت من طنجة سأموت، كما تموت السمكة. بالضبط كما تموت السمكة! لأن السمكة لا تملك إلا أن تعيش في الماء، وأنا تعوَّدت على المكان الذي أعيش فيه، والذي تصادف أنه طنجة. بالنسبة لي لا شيء مميز هنا، إلا التعود. في هذا العصر المادي السريع جداً، الاستهلاكي للغاية، المتسارع لحد الجنون، من الصعب الحديث عن أي تجليات إبداعية للمكان. لا أخدع نفسي بالحنين الزائف إلى طنجة الماضي، طنجة التي كانت ملاذاً للمبدعين من حول العالم في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا حتى طنجة محمد شكري قُرب نهاية القرن العشرين. طنجة التي أعيش فيها الآن، طنجة القرن الحادي والعشرين، هي مدينة صناعية متوحشة، لكنها مثلها كما أي مدينة أخرى في هذا العصر، وأن أختار عنواناً مثل «ليل طنجة»، فهذا ليس احتفاءً بهذه المدينة تحديداً، بل هو ترميز للوحشية التي صارت تطبع كل مدينة، وتعشش في كل المدن.

•  تتناول رواياتك أحداثاً لها علاقة مباشرة بالواقع، وبالتحوُّلات التي تشهدها الساحة العربية... حدثنا عن الرسالة التي أردت أن توجهها للقارئ من وراء هذا.

- أُحب أن يستمتع القارئ بما يقرأ لي، استمتاعاً يشمل الاستمتاع العقلي بمحاولات فك الألغاز والخروج من المتاهات، غير أنني أُحب، وربما أكثر قليلاً، أن يخرج القارئ من رواياتي، لا كما دخلها، أي أن يخرج بفائدةٍ ما. لكنني حتماً إذا تحدثت الآن عن «رسالة» أردت توجيهها للقارئ، فإنني سأضرب عرض الحائط نهجي الفني كله، ليس لأنني لا أقدم من خلال رواياتي أي رسالة، بل لأنني أركز أكثر على السؤال، على تحفيز القارئ على المساءلة عِوضاً عن منحه الأجوبة الجاهزة. وإحدى النقاط المحورية التي أناقشها في كتابي «البوليفونية الزائفة» هي مشكلة الوصاية التي يفرضها الكاتب على القارئ. أنا لا أحب ذلك. ورغم أنني أقارب الكثير من المواضيع الإشكالية، وأنطلق من مواقف فكرية أو أخلاقية معينة لا شك ستجد طريقها في ثنايا رواياتي، فإنني لا أريد أن أقول للقارئ «هذه هي رسالتي»، وعليك أن تستوعبها هكذا، وأن تأخذ بها. كلا، لا أُريد ذلك، لذلك أحاول قدر الإمكان أن تبقى رواياتي مفتوحة متعددة مستويات التأويل، وتحفز القارئ على الوصول بنفسه إلى الأجوبة.

•  حصلت على جائزتَي «إسماعيل فهد إسماعيل»، و«غسان كنفاني»... هل الجوائز ضرورية لانتشار الكتاب؟ أم أنها تعد حافزاً للمزيد؟

- للأسف الشديد، وبسبب محدودية سوق القراءة (بما هو سوق، أي بيع وشراء) وانعدام فرص تحقيق دخل مادي معقول للكاتب من وراء كتبه، فإن الجوائز مهمة جداً. أقول للأسف الشديد، لأن الجوائز غير عادلة، غير محادية، ولا يمكنها أن تكون، لا عادلة ولا محايدة. الجوائز، أو بعضها، إلى حدٍّ ما، تساعد على إعطاء دفعة للتوزيع والمبيعات، وهذا حافز لا شك للكاتب والناشر، لكنها في الوقت نفسه تخلق الحساسية في تعامل الكُتَّاب مع بعضهم البعض، وحتى مع الناشرين في إطار السباق إلى نيل رضا ترشيح الأعمال إلى الجوائز. 

•  هل تُعد الجوائز حافزاً على تقديم المزيد والتحسُّن نحو الأفضل؟ 

- يفترض أن تكون كذلك، بصفتها أداة من أدوات التقييم، والتقدير، غير أنها لم تعد كذلك، وصارت آلية من آليات الهيمنة والتوجيه، وتلك هي الخاتمة التي يتوقف عندها كتاب البوليفونية الزائفة: كيف صارت الجوائز أداة للرقابة الذاتية وآلية للهيمنة الناعمة.

كرم باذخ

•  الآن أسألك عن مدى اقترابك من الأدب الكويتي؟

- الكويت حاضرة في وعيي وتشكيل ثقافتي منذ فترة المراهقة، حين تعرَّفت على إصداراتها الشهرية المتنوعة التي أفادت بها المكتبة العربية بكرمٍ باذخ. أما على المستوى الأدبي، فيرجع اقترابي من الأدب الكويتي إلى حوالي عشرين عاماً، بدءاً من روايات طالب الرفاعي، وبثينة العيسى (كان هذا حوالي عام 2004 أو 2005)، ثم لاحقاً إسماعيل فهد إسماعيل، وبعده الجيل الذي برز إعلامياً في السنوات الأخيرة، مثل: سعود السنعوسي، وعبدالله البصيص، وعبدالوهاب الحمادي... إلخ.

•  ما مشاريعك المستقبلية في حقل الكتابة؟

- لا أميل عادة للحديث عن المشاريع المستقبلية، لأنها تبقى خاضعة لأهواء غير قابلة للتوقع. مثلاً لدي مخطوط رواية شبه مكتملة تتناول ثيمة الصراع بين السعي للإبداع الحُر والخضوع لمتطلبات لقمة العيش، ولدي مسودة أولى من كتاب فكري/نقدي، يحفر في نقطة معينة من التراث الإسلامي، لكن يمكنني أن أدع كل هذا جانباً وأنغمس فجأة في مشروعٍ آخر إذا ما ألحت فكرته بغتة.