عبارة «قل هو الحب» ليست مجرَّد عنوان عابر، بل هي عصارة تجربة فنية وإنسانية نادرة، جمعت بين قامتين بارزتين في المشهد الثقافي العربي المعاصر: الشاعر البحريني قاسم حداد، والفنان التشكيلي العراقي ضياء العزاوي. تجربة تقاطعت فيها الكلمة مع الصورة، وتلاقحت فيها الفنون، لتصنع حالة إبداعية لا تزال آثارها حيَّة رغم مرور ما يقارب عقدين من الزمن.
كُنت من المحظوظين الذين شهدوا هذه التجربة عن قُرب، في زمنٍ مختلف حمل الكثير من الشغف والتجريب. وربما كان حظي الأجمل أنني احتفظت بنسخة من كتاب تلك التجربة، موقَّعة من الشاعر الكبير قاسم حداد. ورغم أنني أعرت هذا الكتاب لصديق، وندمت لاحقاً على طول فترة الإعارة، حتى كِدت أعدّ الأمر فقداناً لتلك الهدية الثمينة، فإن أمانة ذلك الصديق أعادت إليَّ الكتاب أخيراً، لتعود معه ذاكرة تلك اللحظة بكل ما تحمله من قيمةٍ معنوية.
وبعد فترةٍ وجيزة، وفي سياق المصادفات الجميلة، أخبرني الصديق الفنان مسلم الكثيري بأنه قام بتلحين جزء من قصيدة تنتمي إلى هذا العمل اختارتها الأستاذة أزهار الحارثي، وقدَّمتها فرقة البلد الموسيقية للموشحات العمانية التي يُديرها ضمن حفل تكريم للشاعر قاسم حداد، أقامه النادي الثقافي بمناسبة ختام موسمه الثقافي لعام 2025. إلا أن هذا التكريم، على أهميته، لم يُسلِّط الضوء بالشكل الكافي على تلك التجربة الفريدة التي جسَّدت تلاقح الفنون وتكاملها.
لم أتردَّد في التواصل مع الفنان مسلم الكثيري، ذلك الفنان المخضرم ذو الجذور العُمانية، والذي عايش تفاصيل ومشاهد قد لا يعرفها الكثيرون. قُلت له ببساطة: هذا العمل يستحق أن يرى النور، وسأكون إلى جانبك لتحقيق ذلك. وقد رحَّب بالفكرة، لتبدأ رحلة جديدة أثمرت هذا العمل.
كان دوري الأساسي في هذه المرحلة إعادة إبراز جوهر المشروع الأصلي: تجربة قاسم حداد مع ضياء عزاوي. تلك البذرة التي زُرعت قبل نحو عشرين عاماً، لا تزال حتى اليوم قادرة على الإثمار، رغم ما تعرَّضت له أحياناً من تهميشٍ إعلامي يميل إلى أرشفة مثل هذه التجارب في زوايا النسيان. إلا أن هذا العمل جاء ليزيل الغبار عن تلك الذاكرة، ويُعيدها إلى دائرة الضوء، حيث تستحق أن تكون.
وكانت الفكرة تقوم على توظيف غلاف الديوان، وعنوانه «أخبار مجنون ليلى»، في دعوةٍ صريحة للمتلقي كي يذهب للبحث عن أصل هذه التجربة، واكتشاف جذورها الفنية والإنسانية.
ولا يسعني في هذا السياق إلا أن أتقدَّم بجزيل الشكر إلى النادي الثقافي في سلطنة عُمان، الذي تبنَّى إعادة إخراج هذا العمل بهذه الصورة، إيماناً منه بقيمة الفن الحقيقي وأثره الممتد.
إن «قل هو الحب» ليس مجرَّد عمل فني، بل شهادة حيَّة على أن الإبداع الصادق لا يبهت، وأن ما يُنجز بروحٍ أصيلة يظل قادراً على العودة، ليُدهشنا من جديد.
وصلة العمل علي قناة فرقة البلد في «يوتيوب»: https://youtu.be/RMFkAnmFdyg؟si=l6a67UlfNzyBME-C
* أحمد الغانم
* مؤلف موسيقي وعازف فلوت (مملكة البحرين)