كشف مصدر إيراني مطلع، لـ «الجريدة»، أن الرد الإيراني على أحدث مقترح أميركي لإنهاء الحرب، والذي وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه «غير مقبول على الإطلاق وغبي»، جاء بصيغة متشددة جداً، بعد أن وضع المرشد الجديد مجتبى خامنئي ملاحظاته عليه، في أول تدخل ملموس له بملف المفاوضات مع واشنطن.  

وقال المصدر إن خامنئي أصر على أن يتمحور الرد على وقف الحرب، وطالب بحذف جميع البنود المتعلقة بالملف النووي، مشدداً على أنه لا تفاوض على «النووي» قبل وقف شامل للحرب. 

وأضاف أن المرشد الجديد، الذي لا يزال يتعافى من إصابته في الغارة الإسرائيلية التي قتلت والده في بداية الحرب، تمسك بذكر لبنان في الرد الإيراني عند الحديث عن وقف شامل للحرب في المنطقة، وبالمطالبة بضمانات أميركية واضحة لوقف «كل أشكال العمليات العدائية» ضد إيران وحلفائها، بما في ذلك الاغتيالات والهجمات السيبرانية.  

Ad

وأفاد بأن خامنئي أجبر المفاوضين على تضمين المفاوضات صيغة نصّية تؤكد أن على الولايات المتحدة تقديم ضمانات كافية لعدم التراجع عن أي اتفاق يتم التوصل إليه أو الانسحاب منه لاحقاً، على نحو ما حدث في الاتفاق النووي عام 2015.

كما تضمن الرد، بناءً على توجيهات خامنئي، إدراج بنود تنص على أن إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية ينبغي أن تتم ضمن بروتوكول جديد يراعي ما وُصف بـ «ضمان المصالح الإيرانية». كما شملت المطالب الدعوة إلى رفع القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، وتعليق العقوبات طوال فترة المفاوضات، على أن تلتزم واشنطن بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي وفق مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة»، في تحول عن المقاربة السابقة التي كانت تشترط بدء إيران تنفيذ التزاماتها أولاً.

وينصّ الرد على ضرورة ألا تتجاوز المفاوضات بشأن وقف الحرب مهلة زمنية لا تزيد على شهر، مع اشتراط التزام ترامب بخفض حدة تصريحاته تجاه إيران وقيادتها، ووقف توظيف التسريبات الإعلامية كأدوات تفاوضية.

وقال المصدر إن إيران تصر على استئناف المفاوضات النووية من النقطة التي توقفت عندها في سلطنة عُمان قبل الحرب، مشيراً إلى أنه سبق التوافق في مسقط على معالجة اليورانيوم العالي التخصيب داخل الأراضي الإيرانية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية وعلى قاعدة إنشاء كونسورتيوم دولي - إقليمي لتخصيب اليورانيوم يمكنه التصرف بهذه الكميات من اليورانيوم. وبالتالي، فإن نقل اليورانيوم خارج إيران لا يزال خياراً غير مطروح بالنسبة لطهران. 

ولفت المصدر إلى أن طهران لم توافق حتى الآن على مقترح روسي بنقل اليورانيوم العالي التخصيب إلى روسيا وإعادته إلى إيران في حال تخلف أميركا وإسرائيل عن التزاماتهما. 

وكان ترامب وصف الرد الإيراني الذي سلم عبر الوسيط الباكستاني بعد 10 أيام من الانتظار بأنه «غير لائق. ولا يعجبني ردهم»، مضيفاً: «لقد دأبوا على التلاعب بالعديد من الدول طوال 47 عاماً».

وقبل توجهه إلى بكين غداً في زيارة ستتناول سبل احتواء الأزمة، أكد ترامب لـ»فوكس نيوز» أنه يدرس بجدية إعادة عملية «مشروع الحرية» لتأمين الملاحة في الخليج التي أوقفها لإفساح المجال أمام الجهود الدبلوماسية أخيراً. وفي الوقت نفسه تحدثت مصادر عن دخول المنطقة في جمود بانتظار نتائج زيارة ترامب إلى بكين وما إذا كانت ستسفر عن صفقة كبرى حسبما يأمل مسؤولون أميركيون، مشيرة إلى استعدادات إسرائيلية لشن ضربات خاطفة على إيران بعد الزيارة.

وفي تفاصيل الخبر:

في تطور ألقى بظلال قاتمة على جهود إعادة الاستقرار للمنطقة وجاء قبل يومين من قيامه بزيارة مهمة إلى الصين، التي يُعتقد أنها تمسك بعدة نقاط حاسمة يمكنها دفع طهران للتراجع عن مواقفها المتشددة، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن رد إيران على مقترحه الأخير لإنهاء الحرب وتقييد برنامجها النووي وتسلّحها البالستي وأنشطتها الإقليمية وحرية الملاحة بمضيق هرمز «غير مقبول على الإطلاق».

وبعد انتظاره 10 أيام للرد الإيراني، الذي سلّمته طهران للوسيط الباكستاني، أعرب ترامب في تصريحات لـ «أكسيوس»، ليل الأحد ـ الاثنين، عن عدم رضاه، وقال: «لا يعجبني خطابهم. إنه غير لائق. ولا يعجبني ردهم»، مضيفاً: «لقد دأبوا على التجسس والتلاعب بالعديد من الدول طوال 47 عاماً».

وكشف أنه ناقش في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرد الإيراني وملفات أخرى. 

وفي وقت يدفع رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذي شارك الولايات المتحدة بشن الحرب في 28 فبراير الماضي، إلى تقييد مدة التفاوض وعدم التخلي عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني والعودة إلى القتال إذا لزم الأمر، أوضح ترامب أن «المناقشات كانت جيدة للغاية»، لكنّه شدد على أن المفاوضات مع الإيرانيين «شأنه هو وحده، وليس شأن أي شخص آخر».

وفي تدوينة على منصته «تروث سوشيال»، ذكر ترامب أنه «على مدى 47 عاماً، ظل الإيرانيون يماطلوننا، ويُبقوننا منتظرين، ويقتلون أبناءنا بعبواتهم الناسفة على جوانب الطرق، ويدمّرون الاحتجاجات، وأخيراً قضوا على 42 ألف متظاهر بريء أعزل، وهم يضحكون على بلدنا الذي أصبح الآن عظيماً مجدداً. لكنهم لن يضحكوا بعد الآن». وألقى باللوم على سلفه باراك أوباما في منح طهران «شريان حياة» عبر تسليمها مليارات الدولارات بعد إبرامه الاتفاق النووي عام 2015.

صفقة صينية

وفي حين لم يغلق ترامب إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي بشكل كامل، بعد أن أشار إلى احتمال اللجوء لشنّ عمل عسكري لاستكمال ضرب الأهداف في إيران، وجّهت الولايات المتحدة وإسرائيل بوصلة الاتهامات إلى بكين التي أعلنت أنها تستعد لاستقبال ترامب غداً الأربعاء، في زيارة تستمر عدة أيام يعقد خلالها قمة مع الرئيس شي جين بينغ.

وذكر مسؤول أميركي أن ترامب يعتزم الضغط على نظيره الصيني بشأن إيران، لافتاً إلى أن الرئيس الأميركي سبق له أن أثار «مرات عدة» مع نظيره، مسألة المداخيل التي توفرها الصين لإيران وروسيا من خلال شراء إنتاجها النفطي، إضافة إلى بيعهما منتجات قابلة للاستخدام المزدوج، أي لغايات مدنية وعسكرية.

وتابع المسؤول: «أتوقع أن يتواصل» البحث في القضية، إضافة إلى الحديث في عقوبات فرضتها الولايات المتحدة أخيراً على منشآت صينية بسبب تعاونها العسكري مع إيران.

وبموازاة ذلك، صرح نتنياهو، الذي يُجري مشاورات أمنية استعداداً لاحتمال استئناف الحرب، بأن «الصين قدمت قدراً من الدعم لإيران، تحديداً فيما يتعلق بمكونات ضرورية لتصنيع الصواريخ»، معتبراً أنه يجب على بكين إعادة تقييم مصالحها.

وقال نتنياهو إن الذكاء الاصطناعي يحمل فوائد كبيرة، لكنه ينطوي على مخاطر تتطلب تعاوناً دولياً لاحتوائها، قبل أن يقارن ذلك بالملف الإيراني، في إشارة إلى ضرورة تنسيق القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة والصين، لمنع ما وصفه بـ «المخاطر» المرتبطة ببرنامج إيران النووي والصاروخي.

وبينما يرى مراقبون أن بكين، التي عارضت العقوبات الأميركية على الشركات المتعاونة مع إيران، ستسعى لإبرام صفقة كبرى مع واشنطن، تمنح الأخيرة أوراقاً للضغط على طهران مقابل تحقيق مكاسب في ملف ضم تايوان، بالإضافة إلى تهدئة الحرب التجارية والرسوم الجمركية التي يفرضها ترامب على السلع الصينية والتعاون التكنولوجي، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية، ⁠غوه ‌جيا كون، بأن «الأولوية الملحّة هي منع العودة للقتال بكل الوسائل، بدلاً من استخدام الحرب من أجل ربط خبيث لبلدان أخرى بالأمر وتشويه سمعتها». وذكرت «الخارجية» الصينية أن قمة ترامب وجين بينغ ستتناول القضايا التي تهم البلدين والسلام العالمي.

بوتين وشهباز

وفي الأثناء، تناقلت عدة منصات أنباء عن احتمال قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف بزيارة متزامنة إلى بكين خلال وجود ترامب، فيما لفت المتحدث باسم «الخارجية» الإيرانية، إسماعيل بقائي، إلى أن عرض موسكو استقبال اليورانيوم الإيراني العالي التخصيب سيتم بحثه في الوقت المناسب، وعندما تتوافر الظروف المناسبة، مع التركيز حالياً على إنهاء الحرب ووقف التصعيد العسكري.

تنسيق إقليمي

على الجهة المقابلة، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي زار العاصمة الصينية الأسبوع الماضي، أن بلاده تثمّن وتدعم مقترح الرئيس الصيني المكوّن من 4 نقاط للحفاظ على السلام المستدام والاستقرار والتنمية المشتركة في الخليج.

وأجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، لإطلاعه على مستجدات المفاوضات. 

وأفادت طهران بأن الاتصال، وهو الثاني بين الجانبين خلال أقل من 24 ساعة، تناول سبل تعزيز الاستقرار الإقليمي ودفع الحلول السياسية في المنطقة.

كما أجرى عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع نظيره المصري بدر عبدالعاطي، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن، لبحث آخر المستجدات الإقليمية.

وفي الرياض، أشارت «الخارجية» السعودية إلى أن بن فرحان أجرى اتصالاً بنظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، لمناقشة جهود وساطة بلاده، حيث أكدا دعم جهود إعادة الاستقرار للمنطقة.

تهديدات إيرانية

وتزامنت المباحثات الدبلوماسية مع تمترس طهران وراء تحركات تصعيدية إقليمية، بانتظار نتائج قمة بكين، حيث وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، رد بلاده على مقترح واشنطن لإنهاء الحرب وفتح «هرمز» بأنه «سخيّ وفي مصلحة المنطقة كلها»، متهماً الولايات المتحدة بمواصلة التمسك بمطالب «غير معقولة وأحادية الجانب».

وقال بقائي: «مطلبنا مشروع: إنهاء الحرب، رفع الحصار البحري الأميركي، والإفراج عن الأصول الإيرانية التي جُمدت في البنوك بسبب ضغوط الولايات المتحدة».

وزعم أن المرور الآمن عبر «هرمز» وإرساء الأمن في المنطقة ولبنان من المطالب الأخرى لإيران، وهذا عرض مسؤول من أجل أمن المنطقة. وفي وقت سابق، ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن طهران قدمت مطلباً بالتعويض عن أضرار الحرب، وشددت على السيادة الإيرانية على المضيق الدولي الذي تعرقل قوات «الحرس الثوري» المرور عبره.

وفي تهديد بمواصلة شلّ الحياة في المنطقة، صرح الأمين العام لاتحاد الملاحة البحرية الإیرانية، مسعود بالمي، بأن جميع موانئ الدول العربية في الخليج توقفت عن العمل حالياً، فيما شدد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي البرلمانية، إبراهيم رضائي، على أن الحرب لم تضع أوزارها.

كما ادّعى رضائي أن البحرين والإمارات تضران بأمن بلاده، متعهداً بالعمل على إحباط علاقتهما مع إسرائيل.

وتحدث عضو البرلمان، كامران غضنفري، عن مؤشرات على توجّه الجيش الأميركي لتنفيذ «عملية واسعة لاحتلال جزر».

تجنّب واجتماع

ميدانياً، أظهرت بيانات ملاحية أن 3 ناقلات محمّلة بملايين براميل النفط الخام غادرت «هرمز» الأسبوع الماضي ويوم الأحد، بعد إيقاف تشغيل أجهزة التتبع لتجنّب الهجمات الإيرانية، فيما أعلنت الحكومة البريطانية أن لندن وباريس ستستضيفان اليوم اجتماعاً دوليا لوزراء الدفاع بمشاركة أكثر من 40 دولة، لبحث الخطط العسكرية الخاصة باستئناف وتأمين حركة التجارة عبر المضيق الدولي، وذلك في وقت اقتربت حاملة طائرات فرنسية ومدمرة بريطانية من المنطقة، وهو ما استدعى تهديداً إيرانياً بمواجهتها.