لم يعد الردع في السياسة الدولية قائماً فقط على توازن القوة النووية والخوف من الدمار الشامل كما كان خلال الحرب الباردة، بل أصبح أكثر تعقيداً نتيجة تداخل عدة عناصر تمثّل مواطن القوة المعاصرة.

فالصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على الجيوش النظامية فقط، إنما تشمل الضغوط الاقتصادية، والهجمات الإلكترونية، واستخدام الجماعات المسلحة غير النظامية، والعمليات غير المباشرة التي يصعب معها تحديد المسؤوليات.

هذا التحول دفع القوى الدولية إلى تبني مفهوم أكثر واقعية يقوم على إدارة المخاطر بدلاً من إيقاف النزاعات بصورة حاسمة ومطلقة. 

Ad

في هذا السياق، تشير تحليلات حلف شمال الأطلسي إلى أن الردع الحديث بات يعتمد على سرعة الاستجابة، ومصداقية القرار السياسي، والقدرة على توظيف أدوات عسكرية واقتصادية وتقنية متكاملة، وليس على القوة العسكرية وحدها.

وقد شكّلت الحرب الروسية - الأوكرانية نموذجاً واضحاً لتحوّل مفهوم الردع، إذ لم تعد المعركة تُدار فقط عبر ضربات الجيوش التقليدية والأسلحة الثقيلة، بل من خلال حروب الاستنزاف طويلة الأمد، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، والاستهداف الدقيق للبنية التحتية وسلاسل الإمداد، مما كشف وأكد أن أدوات الردع الحديثة أصبحت أكثر ارتباطاً بالقدرة على الاستمرار، واستنزاف الخصم اقتصادياً وتقنياً ومعلوماتياً، لا بمجرد التفوق العسكري التقليدي وحده.

وفي منطقة الخليج، ظهرت ملامح التحول ذاته بصورة تشبه السلوك الإيراني المعتاد. فالضربات العسكرية المباشرة، التي أحدثت أضراراً كبيرة وخطيرة في البنية العسكرية والنووية والاقتصادية الايرانية، لم تثن إيران عن الاعتماد على أنماط أخرى من وسائل الضغط، مثل إغلاق مضيق هرمز، والاستهداف الآثم للمنشآت الحيوية في دول المنطقة -غير المعنية أصلاً بالمواجهة القائمة- إضافة إلى الهجمات السيبرانية، واستخدام الجماعات المسلحة الحليفة في أكثر من ساحة إقليمية، ناهيك عن بروباغندا «الانتصار بالصمود».

وتبرز هنا أهمية البعد الاقتصادي للردع، خصوصاً في منطقة يرتبط استقرارها بأسواق الطاقة العالمية. إذ أثبت الواقع أن أي اضطراب أمني كبير في الخليج ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعل الأمن الإقليمي جزءاً من معادلة الاستقرار الاقتصادي الدولي، وجعل النظام الإيراني ممسكاً ببعض خيوط اللعبة على قاعدة «عليَّ وعلى أعدائي».

ويبقى السؤال الأهم: ماذا علينا أن نفعل، لتعزيز منظومة الردع لدينا، آنياً واسترتيجياً؟ الإجابة قطعاً لا تكمن في الاختيار بين الردع التقليدي والحديث، بل في الدمج الذكي بينهما.

فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على امتلاك أدوات القوة العسكرية فحسب، بل على تعزيز قدرة الدولة والمجتمع على الصمود تحت الضغط. فالأمن في المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بترسانة الأسلحة أو حجم الإنفاق العسكري، وهذا ضروري في جانب معيّن، وإنما بالإيمان المطلق بأهمية تعزيز التكامل الخليجي والاقليمي، وبالقدرة الحقيقية على حماية البنية التحتية، وتأمين الفضاء السيبراني، وضمان استمرارية الاقتصاد والخدمات والطاقة والاتصالات في أوقات الأزمات.

كما أن تعزيز المناعة المجتمعية، وتقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحيوية، وبناء منظومات قرار سريعة ومرنة قادرة على التكيّف، ورفع كفاءة إدارة الأزمات والتصعيد، سيصبح جزءاً أساسياً من معادلة الردع الحديثة.

إن أخطر الحروب القادمة قد تبدأ وتستمر دون إطلاق رصاصة واحدة.

* كاتب ومستشار قانوني