كما بيّنت في مقال سابق، وبشهادة الخبراء الدستوريين، فإن الدستور لم يمنع إنشاء الجماعات السياسية، ولفت إلى مشاورة رؤسائها في شرح المادة 56 من الدستور، وحتى قبل الدستور وُجدت تجمعات سياسية تطوعية غير منظمة، وبعد الدستور بدأت تخوض الانتخابات بقوائم.

وقد كان للجماعات السياسية دور مهم منذ بداية العمل النيابي الدستوري، مثل الحرص على الدستور والمشاركة الشعبية والحريات (التجمع الوطني - جاسم القطامي) و(تجمُّع الطليعة - د. الخطيب)، وكان للقوى السياسية دور كبير في الاتفاقيات النفطية وتأميم النفط، أما الدور الوطني لجميع القوى السياسية أثناء الاحتلال العراقي، سواء في الداخل أو في مؤتمر جدة، فلا ينكره أي مُنصف، وبعد التحرير تم الإعلان عن مسميات لبعض التجمعات السياسية وبرامجها.

وقد كان لظهور التجمعات الإسلامية التطوعية في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات دور كبير في نشر الوعي الشرعي والسنن الإسلامية وحفظ القرآن الكريم، وانتشار الحجاب الإسلامي بين الشابات.

Ad

وعندما شاركت هذه التجمعات في الحياة النيابية عام 1981 ساهمت مع كثير من النواب في إقرار الكثير من القوانين الشرعية، مثل حصر الجنسية بالمسلم والزكاة، وتجريم التعرّض بالإساءة إلى الأنبياء والصحابة، وقانون الاختلاط، وقانون حماية المرأة من الاستغلال، وقانون إجازة الأمومة، والإعدام لتاجر المخدرات، وقانون إساءة استخدام الأجهزة الهاتفية، وقانون إيقاف الرسوم عن المواطنين، وتعديل القانون المدني ليتوافق مع الشريعة، وإدخال النظام الإسلامي في اكتتاب الشركات التي صدرت بقوانين، كما انضم النواب الإسلاميون إلى المستقلين، لإقرار مجموعة من أفضل القوانين الوطنية، مثل استقلال القضاء، ومحاكمة الوزراء، وحماية الأموال العامة، وهذه القوانين كان لها أثر كبير في مكافحة الفساد واسترجاع الأموال العامة، كما شاركت التجمعات السياسية في الحكومات المختلفة، وكان لها دور بارز، إضافة إلى قيامها بإنكار بعض الأخطاء المنكرات الظاهرة.

وليس معنى ذلك أنه لم يكن للتجمعات السياسية خلافاتها وأخطاؤها، فقد اختلفت في بعض المواضيع واتفقت في أكثرها، وكانت المتفق عليها من أهم التشريعات التي أنجزت، وشكّلت الحياة القانونية في البلاد، ولعل من أهم أخطاء بعض التجمعات وبعض المستقلين هو النزول للشارع للتصدي للمرسوم بقانون الخاص بالصوت الواحد، ولكن حتى هذا الخطأ تم التصدى له من قِبَل تجمعات سياسية أخرى، ثم عاد المعارضون للمشاركة في «الصوت الواحد»، كما يحدث في الدول المتقدمة، فعندما يخطئ أحد الأحزاب، فإما أن يتغيّر أو يفشل وتنجح الأحزاب الأخرى.

ومن أخطاء بعض التجمعات وبعض المستقلين أيضاً، عدم الالتزام بالدستور واللائحة الداخلية أثناء العمل في المجلس، وهي أخطاء بشرية قد تقع من التجمعات السياسية ومن الحكومة ومن المستقلين أيضاً، ولكن لا يجوز أن يكون لها ارتباط بتنظيمات خارج البلاد.

الخلاصة أن العدل والإنصاف مطلوبان شرعاً مع الآخرين والخصوم، وأن الحكم على التجمعات السياسية يكون من خلال أعمالها ما دامت تعمل في إطار القانون، ومن خلاله، كما قال تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ»، فالقسط مع الآخرين والنصح لهم والثناء على الأعمال الجيدة وإنكار الأخطاء هو أول سبيل التفاهم والجدال بالحسنى، مما يؤدي إلى الاستقرار في البلد الواحد وإقامة الحُجّة والاستفادة من الأخطاء، مما يعود بالنفع والتقدم على البلد ومستقبلها، كما يجب الحذر ممن يعمدون إلى سبّ كل الجماعات السياسية وتشويهها دون تمييز، وأن ننتبه إلى مقاصدهم وأساليبهم التي تنشر السلبيات دون الإيجابيات، وهي أساليب مدمرة لا تنهض بها الأمة.