في السنوات الأخيرة، لم يعد السؤال «كم عدد الخريجين؟» بل أصبح الأهم «ما جودة هؤلاء الخريجين؟»، فالمؤسسات التعليمية لم تعد تُقاس بمبانيها الحديثة أو شعاراتها البرّاقة، بل بما تغرسه فعلياً في عقول طلبتها.

ومع ذلك، نلاحظ فجوة تتسع بهدوء بين ما يُفترض أن ينتجه التعليم، وما يصل إلى سوق العمل. خريجون يحملون شهادات، لكنهم يفتقرون إلى أدوات التحليل، أو الجرأة على التفكير، أو حتى القدرة على ربط ما درسوه بالواقع. هذه ليست ملاحظة عابرة، بل نمط يتكرر، ويستحق أن يُفكك بهدوء بعيداً عن التعميم أو الاتهام المباشر. 

جزء من الصورة يعود إلى تحوّل غير معلن في فلسفة التعليم نفسها. حين يصبح القبول أسهل، والأعداد أكبر، والتقييم أكثر مرونة، يبدأ الميزان بالاختلال. لا لأن الطلبة أقل قدرة، بل لأن البيئة لم تعد تدفعهم لاكتشاف أقصى إمكاناتهم. الطالب الذي يستطيع النجاح دون أن يُرهق فكرياً، سيتخرّج غالباً دون أن يُبنى داخله ذلك «العمق» الذي يصنع الفارق.

Ad

يُضاف إلى ذلك ضعف الثقافة البحثية، حيث يمرّ الطالب بسنواته الدراسية دون أن يقرأ بحثاً علمياً حقيقياً، أو يكتب ورقة تُجبره على التفكير، أو يواجه أسئلة بلا إجابات جاهزة، وهنا، يتحول التعليم من رحلة فهم، إلى عملية اجتياز.

أتذكّر في اللقاء التنويري للموظفين الجدد - هو اللقاء التعريفي الذي يُعقد عادةً في بداية العمل - في وزارة الأشغال عام 2023، حين كانت آنذاك وزيرة الأشغال العامة د. أماني بوقمّاز تقف على المسرح وتخاطب الحضور. طلبت من خريجي جامعة الكويت رفع أيديهم، في إشارة واضحة إلى ثقة مُسبقة بمستوى مخرجاتهم، بل وتوجّه لإشراكهم في مشاريع كبرى.

يومها، كنت آنذاك مستجداً حديث التخرج من الخارج... وابتسمت. لم أشعر أن الموقف يحمل تفضيلاً بقدر ما يحمل رسالة أن السمعة الأكاديمية لا تُبنى بالشعارات، بل بتاريخ من الجدية والانضباط والمعايير الصارمة. المسألة لم تكن أسماء جامعات، بل جودة ما تُنتجه من عقول.

لكن التحدي لا يقف عند القاعات الدراسية، فالفجوة بين ما يُدرّس وما يُمارس في الواقع تزداد وضوحاً. مقررات لا تعكس تعقيد العالم الحقيقي. وعندما يصل الخريج إلى سوق العمل يكتشف أن ما بين يديه لا يكفي. في تلك اللحظة لا تنفع الألقاب ولا المعدلات المرتفعة، بل تظهر قيمة المهارة، والقدرة على التكيّف، والاستقلالية في التفكير. 

المفارقة أن كثيراً من الخريجين المتميزين لا يعود تميزهم إلى النظام، بل إلى جهد شخصي وفضول لم تسمح لهم البيئة بإشباعه.

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف النجاح الأكاديمي ليس بما يُكتب في السجل، بل بما يبقى في الإنسان بعد أن يُغلق الكتاب.