الحروب، رغم بشاعتها، لم تتوقف على مر التاريخ، ولها أسباب جادة أو واهية، تغيّر الحياة والأوضاع، وتمرّ بمراحل وجولات. ولها جانب آخر غير العسكري لا يقل عنه بشاعة، وهو المُسمّى بالحرب النفسية.
الحرب النفسية يمكنها التحكم بمجريات الأمور وتبديل الواقع، كما أنها تُدخِل جميع الشرائح إلى الساحة، فحتى الأطفال والنساء والكبار والضعفاء والسفهاء، كل غير ذي سلاح سيخوض المعركة... وسيحارب!
اليوم مع وسائل التواصل، أصبحت الحرب النفسية أكثر فوضوية وأسرع انتشارا وأشد فتكا! فالشائعات تعقدت مع تعقُّد الحياة، وباستخدام الذكاء الاصطناعي سهلت إثارة الفتنة والهلع، وبات التفريق بين الحقيقي والمزيف صعبا، وحتى التوضيح أصبح مُربِكا. كما احتشد المرضى والمغفلون، وتمكّن أصحاب النفوذ والأجندات الفاسدة من توجيههم، فاقتحموا كل المنصات وأشعلوا التعليقات، وساد التوتر، وحلّت الزعزعة.
لقد جاء التحذير من الحسابات التي تعمل على التشكيك والانقسامات، وصار يتكرر كل حين، هذه تحركات دنيئة مقصودة، لا تتوقف، وتتضاعف بازدياد حساسية المشهد، وتخدم أغراضا مختلفة. جهدها موجّه لإحداث اضطراب، تستخدم لهجة محددة ورموزا واضحة ونصا مباشرا، وتتنقل بين المنشورات لإيقاع الضرر المطلوب، وهو (التفرقة).
شاهدت مرّة مقطعا لرجل عربي يروي ما حدث له مع منشور على حسابه: حيث اندفع اثنان في جدال طويل فيه من التخوين والطعن، كلاهما يكتب بلهجة مختلفة. قرر صاحب القصة حظرهما وإنهاء المسألة. يقول: فور أن حظرت الأول.. الثاني اختفى! وهذا يعني أنهما شخص واحد. وهنا كبرت التوعية، ونبهّت حول وحدة متخصصة في الجيش الصهيوني، يدخل ضمن عملها إثارة الفتنة والتحريض، والشتم والاتهام وشقّ الصفوف. هذه المسرحيات المنحطة لا هدف لها إلّا زرع الحقد وضرب شعوبنا ببعضها.
لو ألقيت نظرة خاطفة على التعليقات حول أخبار الحرب، ستلاحظ هذه الحسابات بسرعة وسهولة، هذه الحسابات تقدّم نموذجا - وهمياً - قبيحا عن حالة الشعوب العربية من الانقسام والجهل والغلّ وتعميمه، وذلك لتوجيه الجمهور الحقيقي المتمثل فينا، فنصدّق وننزعج ونتحامل، ثم نفكر ونتصرف ونتفاعل بناءً على هذا النموذج، ويتأثر الآخرون بأسلوبنا - المشحون - وبذلك يكون العدو قد جندنا ضد بعضنا، ونجح في تحقيق أهدافه القذرة... بأيدينا.