في بعض مجالس الأمة، خاصة الأخيرة، قدم بعض النواب اقتراحات تستنزف احتياطي الأجيال القادمة (أو الصندوق السيادي كما يسميه البعض) أو تقلل من نموه، مثل اقتراح توزيع جزء من أرباحه على المواطنين سنوياً (يعتقدون أن الأرباح نقدية يسهل توزيعها)، أو لسداد قروض بعض المواطنين من البنوك بشكل يخلو من العدالة، أو لزيادة رواتب بعض الفئات دون الفئات الأخرى، أو لإنشاء هيئات كوادر مالية جديدة، وعارض النواب الآخرون هذه الاقتراحات لأسباب كثيرة، أهمها أن الكويت بحاجة إلى إصلاح هيكلي للمالية العامة وللميزانية، وضرورة إيجاد مصدر آخر للدخل، والبحث عن محاضن جديدة لتوظيف العدد الهائل من الشباب القادمين إلى سوق العمل، وأن هذه الإجراءات ستكون كفيلة بتحسين دخل المواطن وترشيد الإنفاق في نفس الوقت، وقالوا إن احتياطي الأجيال إنما تم إنشاؤه لمرحلة ما بعد النفط ولمواجهة الكوارث والحروب والأزمات، تماماً كما حدث في أثناء الاحتلال العراقي للكويت الذي دام سبعة أشهر، كان الصرف خلالها يتم من احتياطي الأجيال لدفع كلفة التحرير والإعاشة وإعادة بناء الكويت، كما أن وجود هذا الاحتياطي يقلل كلفة فائدة الاقتراض على البلاد، وللأسف تم تشويه مواقف الأعضاء الذين حافظوا على هذا الاحتياطي رغم أن موقفهم كان هو الأصح، وبحمد الله باءت معظم تلك الاقتراحات السيئة بالفشل.
والآن دارت الأيام، ووقعت الحرب بين أميركا ومعها إسرائيل ضد إيران، وردت إيران باعتداءاتها على الكويت، وتم إغلاق مضيق هرمز، وتوقف تصدير النفط الكويتي، وهو المصدر شبه الوحيد للدخل، بينما استمرت مصروفات الميزانية والمشاريع كما هي، بل زادت نتيجة لإصلاح ما دمرته الصواريخ الإيرانية، ويتوقع بعض الاقتصاديين أن يتجاوز العجز المقدر في الميزانية الحالية من 6 إلى أكثر من 10 أو 15 مليار دينار، بناء على موعد فتح مضيق هرمز وإصلاح المنشآت والتصدير من جديد، وبدأت الحكومة إلغاء بعض الكوادر المالية السابقة، وأجرت تعديلات كبيرة في الهياكل الإدارية، حيث تم إلغاء المئات من وظائف الوكلاء المساعدين وغيرهم، ومن المتوقع الآن أن تلجأ الحكومة إلى مزيد من الاقتراض من البنوك العالمية فوق ما اقترضته في السابق أو السحب من الاحتياطي العام، وهو بالتأكيد لن يكون كافياً فيكون الملجأ مرة أخرى هو السحب من احتياطي الأجيال.
هكذا ومن جديد جاءت الأحداث التي «تطز العين»، كما نقول في لهجتنا، لتثبت ولتعيد التذكير بأن الحفاظ على احتياطي الأجيال من العبث والاستنزاف هو من أولى أولويات الحكومة والمجلس من أجل المستقبل، وأن هذا المستقبل لن يخلو من مشكلات أو أزمات، مثل تلك التي تحصل في أي مكان بالعالم، وأن النواب الذين تصدوا لتلك الاقتراحات الاستنزافية هم الذين كانوا على حق، وهم الذين قدموا مصلحة البلاد والأجيال على مصلحتهم الانتخابية.