صدرت خلال الشهر الجاري ثلاثة إعلانات رسمية من جهات حكومية عبَّرت عن اختلال أو على الأقل قصور في نظرة مؤسسات الدولة تجاه كيفية تحويل استغلال المرافق العامة إلى منافع اقتصادية تتجاوز الإيراد المالي، أو مجرد إزالة المخالفات للتطوير وإعادة التأجير.

ففي الإعلان الأول، طرح الصندوق الاجتماعي للمقاهي الشعبية التابع لوزارة الشؤون عدداً من الأنشطة الصغيرة للاستثمار في المقاهي، مثل البقالة والأطعمة والألعاب وغيرها، وفي الإعلان الثاني طلبت الهيئة العامة للصناعة من مستثمري سوق الصفارين بمنطقة المرقاب (الصفافير) ضرورة إزالة المخالفات والمخلفات والأغراض المخالفة أعلى أسطح المحالّ ضمن أعمال مشروع إعادة تأهيل السوق.

أما الإعلان الثالث فتمثَّل في إقفال بلدية الكويت للمزايدة الخاصة بإدارة وتشغيل واستغلال مشروع (برايح سالم) في منطقة السالمية. 

Ad

غياب الفلسفة 

الإعلانات الثلاثة قد تقرأ من زاوية الأنشطة التطويرية الاعتيادية، إلّا أن القراءة المعمقة فيما تكشف ليس فقط الغياب  الواضح لفلسفة تطوير بيئة الأعمال وتعزيز جاذبية المشاريع الصغيرة كي تستقطب عدداً أكبر من الشباب الكويتيين الراغبين في العمل الحر، بعيداً عن الوظيفة الحكومية التي باتت ترهق خزينة الدولة، وتقلل من فرص تنوّع الأعمال في السوق، إنما أيضاً الانفصال عن واقع البيئة الصعبة التي تواجه أصحاب هذه النوعية من المشاريع تحديداً المسجلين في الباب الخامس من نظام التأمينات الاجتماعية، الذين تعرضوا خلال فترة وجيزة لصدمتين، الأولى في انخفاض الإنفاق الاستهلاكي خلال عام 2025، والثانية في تداعيات الحرب الإقليمية بالمنطقة الخليجية العام الحالي.

إعلانات ومخالفات 

فإعلان المقاهي الشعبية ركّز على طرح أنشطة استثمارية صغيرة بتحديد أسعار قيم إيجارية ليست مشكلتها الوحيدة أنها مرتفعة القيمة، بل إنها رغم صغر حجمها لم توجّه إلى صغار المبادرين المتفرغين للعمل التجاري الحر، أي (الباب الخامس)، ولم يتطرق إعلان المقاهي ولا مزايدة برايح سالم ولا بيان هيئة الصناعة - الذي اعتبر أن المخالفات في سوق الصفارين هي مخلفات فوق أسطح المحال - إلى المرض المستشري منذ عقود في كيفية استغلال المرافق الحكومية وأملاك الدولة المتمثل في عقود التأجير بالباطن، والتي تسبب آثاراً سلبية في رفع قيم الإيجارات، فالمبيعات، فضلاً عن زيادة التكاليف على المستثمر الفعلي. وكذلك الأمر نفسه بالنسبة لبرايح سالم التي يفترض أنها موجهة لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

لوم الإدارة العامة 

وبالطبع، لا يمكن توجيه اللوم لوزارة الشؤون أو الهيئة العامة للصناعة أو بلدية الكويت فقط، فتوجيه المرافق والأنشطة الصغيرة من المقاهي وسوق الصفارين وبرايح سالم وغيرها، مروراً بجزء من الاستثمار في الجمعيات التعاونية والمجمعات التجارية، وصولاً إلى المناطق الصناعية والحرفية والزراعية والشاليهات المقامة على أملاك الدولة، هو عملية مرتبطة بالإدارة العامة، أي بسياسات اقتصادية يتولاها مجلس الوزراء، حيث لا بد من رفع أعداد العاملين في الباب الخامس، البالغ عددهم نحو 16 ألف شخص (يشكلون فقط 3.2 بالمئة من قوة العمل الكويتية) إلى أضعاف هذا الرقم خلال السنوات المقبلة، عبر توجيه الفرص الاستثمارية المقامة على المرافق الحكومية التي تتراوح قيمتها بين 50 و100 ألف دينار لمن يرغب في العمل الحر(الباب الخامس)، بدلاً من الوظيفة الحكومية.

وتتّسق سياسات تحفيز العمل بالباب الخامس مع الخطاب الحكومي الذي يشكو من تصاعد تكاليف المرتبات وما في حكمها بميزانية الدولة، التي بلغت في السنة المالية 2026 -2027 نحو 15.8 مليار دينار، أي ما يعادل 60.7 بالمئة من إجمالي المصروفات العامة.

صدمات متتابعة 

السيئ في طرح استثمار «المقاهي- الصفافير- البرايح « دون تخصيصها «للمبادرين» أنه يأتي في وقت تعاني المشاريع الصغيرة والمتوسطة من صدمتين متتابعتين، الأولى تمثلت في تراجع الإنفاق الاستهلاكي خلال عام 2025 بما يوازي 4.6 بالمئة، والثانية جاءت على شكل تداعيات الحرب الإقليمية في المنطقة، وما تبعها من إغلاق لمضيق هرمز، بالتالي تنامي تكاليف استيراد البضائع والمواد الأولية، فضلاً عن الارتباك الذي أثّر في سلوك المستهلكين... مع الأخذ بعين الاعتبار أن العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة لم يتجاوزوا صدمة جائحة كورونا حتى اليوم ويعانون أصلاً من صدمة مزمنة نتيجة المصاعب المتعلقة بالتمويل والأراضي والبيروقراطية الحكومية.

إصلاح الصندوق 

بالطبع، وضع أي تصوّر حكومي لرفع كفاءة بيئة الأعمال لن يكون فاعلاً ما لم يتم إصلاح الجهة الحكومية المشرفة، أي الصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، الذي أُسّس قبل 13 عاماً، وتوقّف تمويله للمشاريع الجديدة منذ 6 سنوات، من دون أن يحقق أي عائد اقتصادي لا لسوق العمل، ولا بيئة الأعمال، ولا حتى تسهيل أوضاع المبادرين بمسائل التمويل أو أملاك الدولة أو تكاليف الإيجارات، أو تبسيط البيروقراطية الحكومية.

تداخل مسألتين 

وهنا يجب التفريق على الأقل في المدى القصير أو المتوسط بين مسألتين متداخلتين، هما أنه ليس كل المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي «باب خامس» تستحق الدعم... ناهيك عن أن تقديم الحوافز الحكومية للمبادرين مرتبط بمدى الفائدة التي يحققها المشروع للاقتصاد إن كان مرتبطاً، على سبيل المثال، بالأمن الغذائي أو الصحي فضلاً عن رفع الاستجابة التكنولوجية أو الخدمات التعليمية وغيرها.

تحفيز وأعباء 

إن تحفيز بيئة أعمال المبادرين ورفع جاذبية المشاريع الصغيرة والمتوسطة للباب الخامس ليسا مسألة هامشية مرتبطة بشريحة أو فئة، إنما هي سياسة تستهدف رفع أعباء متراكمة عن الخزينة العامة، وتعمل على كفاءة المنافسة والخيارات في السوق، فضلاً عن هدفها النهائي المتمثل في تنويع الناتج المحلي الإجمالي وتنميته، بالتوازي مع معالجة اختلالات الاقتصاد، لا سيما سوق العمل.