يدخل العالم اليوم نفقاً مظلماً تقوده خوارزميات صماء، وفي حين تنشغل القوى العظمى بصناعة «إله رقمي» يخدم مصالحها التوسعية، نجد أنفسنا في الكويت لا نزال نراوح مكاننا، نقتات على فتات التقنية، ونكتفي بدور المتفرج في مسرحية تكتب خيوطها بعيداً عن قيمنا وأمننا. لا يمكن النظر إلى الثورة الأميركية في الذكاء الاصطناعي بمعزل عن «البراغماتية» المتوحشة التي تضرب بعرض الحائط كل المواثيق الأخلاقية. إننا أمام «إمبريالية رقمية» جديدة، حيث يتم توظيف الذكاء الاصطناعي لا لرفاهية البشرية، بل لإحكام القبضة على المجتمعات. فمن خلال خوارزميات الانحياز التي تكرس العنصرية، وصولاً إلى أنظمة المراقبة الشمولية واستباحة البيانات الشخصية التي حولت الإنسان إلى مجرد «سلعة بياناتية»، تبرز واشنطن كقائد لقطيع تقني لا يرى في الآخرين سوى أرقام. أما الأخطر، فهو «رقمنة الموت» عبر الأسلحة الذاتية التشغيل التي تقتل بدم بارد، دون وازع أخلاقي أو قانوني، مما يجعلنا نتساءل: هل نحن أمام ذكاء اصطناعي أم أمام «توحش آلي» مقنع برداء التقدم؟ وعلى الجانب الآخر، تبرز المفارقة المؤلمة في المشهد الكويتي بينما يركض العالم بسرعة الضوء، يبدو أن عقارب الساعة التقنية في مؤسساتنا قد توقفت عند حقبة ما قبل الحوسبة الحقيقية. إن ما نشهده اليوم في الكويت ليس مجرد «تأخر»، بل هو «نفي طوعي» من التاريخ الحديث. لقد تحولت «رؤية الكويت» في شقها التقني إلى مجرد شعارات تزين المنصات، بينما الواقع يصطدم بصخرة البيروقراطية «المتكلسة» التي ترفض التغيير خوفاً على كراسيها. إننا نعاني من عجز مركّب: عجز الإرادة: حيث يغيب القرار الجريء لتبني استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي تتجاوز مرحلة «التطبيقات الخدمية البسيطة»، وعجز التوطين: نحن مجرد «زبائن» ندفع المليارات لشراء أنظمة لا نملك مفاتيحها، مما يجعل أمننا المعلوماتي مكشوفاً وتبعيتنا التقنية أبدية. طرد العقول: قتلنا الإبداع في شبابنا بوضعهم في دهاليز العمل الإداري العقيم، ليتحول المبدع الكويتي من «مبتكر كود» إلى «مدقق معاملات». إن الاستمرار في حالة «التعثر الرقمي» وتجاهل التغول الأميركي غير الأخلاقي سيجعل الكويت مجرد ساحة خلفية للتقلبات الإقليمية، لا تملك حتى القدرة على التنبؤ بما سيحدث لها. إن الذكاء الاصطناعي ليس «رفاهية» أو «موضة»، بل هو وجود أو عدم. المطلوب اليوم ليس ندوة أخرى أو لجنة حكومية تضاف إلى ركام اللجان، بل «ثورة إدارية» تضع الكويت على خريطة السيادة الرقمية. إن لم نتحرك الآن لامتلاك أدوات القوة التكنولوجية وفلترتها بقيمنا الخاصة، فسنظل مجرد «ضحايا ذكيين» في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يعترف بالمترددين.

*رئيس جمعية الذكاء الاصطناعي الكويتية

Ad