لأننا لا نريد الحرب، ولا نرغب بتبعاتها المرحلية والمستقبلية، حاولنا منذ 8 أبريل الماضي تَقَبُّل فكرة أن المفاوضات بين أميركا وإيران تسير في طريقٍ سينتهي حتماً بتوقيع اتفاقٍ ما، يحفظ للطرفين تحقيق الحد الأدنى من مطالبهما، لكن التمنِّي والواقع شيءٌ آخر، فكل طرفٍ قدَّم للطرف الآخر بُنوداً تُجبره على رفضها. ففي حين تُريد طهران العودة إلى أوضاعها السابقة والحصول على أموالها المجمَّدة وإتاوات مضيق هرمز، تُريدها واشنطن أن تتخلَّى عن برنامجها النووي، وأن تلبس ثياب دولة غير التي عرفناها منذ 1979م، ويُضاف إلى ما سبق بقاء الحشود العسكرية في مواقعها متأهبة للحرب القادمة.
لقد توقفت المفاوضات شبه المباشرة في إسلام آباد، ودخلنا في مرحلة تبادل الرسائل عبر وسيط، وأدركت واشنطن أنها دخلت في فخٍ يصعب الخروج من شباكه لو أكملت لعبة حائك السجاد، حتى وصلنا لمرحلة ما قبل الاشتعال الكامل، وهي أن النظام الإيراني يغلق شريان مضيق هرمز، والأسطول الأميركي يفرض حصاراً على الموانئ الإيرانية. ومنذ بدء الحصار المتشابك ارتفعت فُرص الاحتكاك بين طرفَي الحرب، خصوصاً بعد قرار واشنطن فتح الطريق أمام الناقلات الراغبة بعبور مضيق هرمز مهما كان الثمن.
وقبل يومين تجدَّدت الاعتداءات الإيرانية، واستهدفت هذه المرة دولة الإمارات، بصواريخ وطائرات مسيَّرة وقصفٍ لناقلة نفط إماراتية، فأوقفت حركة الطيران في مطار دبي، وعاد الطلبة للدراسة عن بُعد.
كما شمل التصعيد (دولة الوساطة) سلطنة عُمان، حيث أُصيب شخصان، إثر استهداف مبنى سكني في ولاية بُخاء المُطلة على مضيق هرمز.
تلك التطورات المتلاحقة تؤكد عدة أمور، أولها أن عودة الحرب صارت على بُعد أمتار من المنطقة، إذ أوجد الرئيس الأميركي لنفسه ذريعة كافية أمام الكونغرس لاستئناف الحرب دفاعاً عن النَّفْس وعن المصالح الأميركية التي تأثرت بإغلاق مضيق هرمز. ومن الممكن أن تقوم تل أبيب بالمهمة كاملةً نيابةً عن واشنطن، كما حصل في حرب الـ 12 يوماً، وهي لا تنتظر سوى الضوء الأخضر.
في الختام: ما يهمنا فيما يحدث، ونحن كما قُلنا لسنا طرفاً فيه، هو استمرار وحدة وتماسُك الموقف الخليجي أمام العالم كُله، فأزمة الطاقة لم ترحم أقوى الدول الاقتصادية، وعيون العالم كُلها متجهة صوب مضيق هرمز.
أما داخلياً، فلا نطلب غير استمرار التحوُّط من وصول أي خطرٍ لمنشآتنا المدنية والنفطية ومصادر الطاقة الحيوية.
لقد خنقتنا الجغرافيا بمعطياتها، وليس أمامنا غير طريق التعامل معها كما هي.