لا يمكن فهم المفاوضات الراهنة بين لبنان والكيان الإسرائيلي خارج سياقها التاريخي، إذ تشكّلت العلاقة بين الطرفين ضمن مسار معقّد لا يعكس استقراراً تفاوضياً، فمنذ البداية لم تتجه هذه العلاقة إلى تسوية نهائية، بل أُديرت عبر ترتيبات مؤقتة متعاقبة بين الهدن والتفاهمات الأمنية وضبط التصعيد، بما يجعل أي مسار تفاوضي اليوم محكوماً بسقف واقعي محدود تفرضه بنية نزاع لم تنضج شروط حسمه.
شكّل اتفاق الهدنة لعام 1949 في أعقاب حرب 1948 الإطار القانوني الأول، إذ أوقف العمليات العسكرية دون إنهاء حالة الحرب، ثم جاءت محاولة اتفاق 17 أيار/مايو 1983 بعد اجتياح 1982، لكنها أُلغيت تحت ضغط داخلي وخارجي، وفي 1996 أُرسِي تفاهم نيسان/أبريل كنموذج لضبط إيقاع العمليات العسكرية ومنع استهداف المدنيين تحت أعين لجنة مراقبة دولية، دون معالجة جذور النزاع، وهو النمط الذي تعزز بعد عدوان 2006 وصدور القرار 1701، الذي كرّس قنوات تنسيق غير مباشرة بإشراف الأمم المتحدة.
وعلى المستوى الإجرائي، ظل التفاوض المباشر شبه منعدم، لتحل مكانه قنوات غير مباشرة بوساطة دولية حققت اختراقات جزئية دون تطبيع شامل، كما في ترسيم الحدود البحرية (2020–2022) بوساطة أميركية، واتفاقات تبادل الأسرى التي انخرط فيها «حزب الله» نفسه بوساطة ألمانية، ضمن نموذج سوّق له على أنه فصل للملفات التقنية والإنسانية عن المسار السياسي العام.
في هذا السياق، تبرز المفاوضات المباشرة في واشنطن بين سفيري البلدين كتحول نوعي، إذ تُعد الأولى من نوعها منذ عقود، وتعكس تغيراً نسبياً في نمط الاتصال السياسي، ولو بتوجيه أميركي مشدد. إلا أن مستقبل هذه المفاوضات محكوم بثلاثة معطيات رئيسية:
- أولاً: سجل حافل من عدم الالتزام الإسرائيلي، يُظهر نمطاً معتاداً من الخروقات والتملّص من الالتزامات وإعادة تفسير العبارات، بما يضعف الثقة في تحويل التفاهمات إلى تسوية مستقرة.
- ثانياً: الانقسام الداخلي اللبناني، حيث يرفض «حزب الله» وحلفاؤه التفاوض المباشر باعتباره مدخلاً للتطبيع، في حين أنه قَبِل، بل وانخرط، في صيغ التفاوض غير المباشر أو متعددة الأطراف، كما حصل في ترسيم الحدود البحرية ومفاوضات تبادل الأسرى، ما يضعف قدرة الدولة على تنفيذ أو ضمان أي اتفاق، في ظل تعدد مراكز القوة واحتمال قيام أطراف مسلحة - مجهولة أو معلومة - بعمليات منفردة قد تعيد التصعيد.
- ثالثاً: الإطار القانوني الداخلي الذي يجرّم التواصل مع إسرائيل، وهو معطى إجرائي قابل للتعديل لكنه يحمل بعداً سياسياً رمزياً، يتمسك به المعارضون، في مقابل دعوات دولية، بينها ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإعادة النظر فيه ضمن تهيئة بيئة تفاوضية أوسع.
خلاصة القول، إن هذه المفاوضات المباشرة - رغم رمزيتها السياسية - تبقى محكومة بسقف محدود من النتائج، حيث يُرجّح - في أحسن الأحوال - استمرار نمط «إدارة النزاع» عبر ترتيبات مرحلية هشّة وهدن متكررة، دون الانتقال إلى تسوية شاملة، في ظل غياب الشروط البنيوية اللازمة لذلك، ومن أبرزها تهيئة البيئة الإقليمية، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وتمكين مؤسساتها الأمنية من ممارسة أدوارها الطبيعية في حماية الحدود وحفظ الأمن الداخلي.
* كاتب ومستشار قانوني