دائماً ما كُنَّا نتغنَّى بأن «الاختلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية»، وهو ليس ترفاً فكرياً، بل هو أحد أعمدة المجتمعات الحيَّة، وتقبُّل الرأي الآخر هو سمة من سمات النضج المجتمعي، لكن الواقع- خصوصاً بمواقع التواصل الاجتماعي- يكشف عن أزمة حقيقية ومفارقة مقلقة بين ما نقوله وما نُمارسه.

ففي خضم الجدل السياسي برزت فئة من المؤيدين لبعض النواب السابقين تتعامل مع النقد وكأنه اعتداء شخصي أو خيانة لا تُغتفر، حيث يتحوَّل أي رأيٍ مخالف إلى جريمة، ويُقابل بسيلٍ من الشتائم والتجريح، بل يصل الأمر أحياناً إلى التخوين والإقصاء. هذا السلوك لا يعكس فقط ضيقاً في أُفق الحوار، بل يكشف عن أزمةٍ أعمق في فهم معنى المشاركة السياسية، وفكرٍ أجوف يتأثر بشعارات بالية عفا عليها الزمن.

المشكلة لا تكمن في تأييد شخصية عامة أو الدفاع عنها، فذلك حق مشروع، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحوَّل التأييد إلى نوعٍ من التقديس، حيث يُمنح السياسي حصانة غير معلنة ضد النقد، ويُصوَّر كأنه فوق المساءلة. في هذه الحالة لا يعود النقاش قائماً على الحجة والمنطق، بل على الانفعال والتعصب، وهو ما يفرغ العمل العام من مضمونه الحقيقي.

Ad

والمفارقة أن هذه العقلية لم تتراجع، حتى بعد حل مجلس الأمة وتعليق بعض مواد الدستور، بل استمرَّت، وربما ازدادت حِدةً في المنصات الرقمية. هناك مَنْ لا يزال يهرف بما لا يعرف، مدفوعاً بعاطفةٍ جياشة، أو تأييدٍ أعمى، من دون محاولة لفهمٍ أعمق للواقع، أو الاستماع للرأي الآخر.

إن المجتمعات المتحضرة لا تُقاس بمدى اتفاق أفرادها، بل بقدرتهم على إدارة خلافاتهم باحترام، فالنقد ليس عداءً، والمعارضة ليست خيانة، بل إن غياب النقد هو الخطر الحقيقي، لأنه يفتح الباب أمام الأخطاء لتتكرَّر من دون مساءلة.

ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الأصوات المرتفعة، بل المزيد من الوعي. نحتاج إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار، حيث يكون الاختلاف مساحة للفهم، لا ساحة للصراع. فالوطن لا يُبنى بأصوات متشابهة، بل بعقولٍ مختلفة تتكامل وتُدرك أن الحقيقة لا يحتكرها أحد.

وفي النهاية يبقى السؤال: هل نحن مستعدون حقاً لتقبُّل الاختلاف، أم أننا نكتفي بترديد شعاراته فقط؟