افتتاحية «الجريدة» الأخيرة، المنشورة يوم الجمعة الماضي (1 مايو)، أعادتني بالذاكرة إلى أكثر من ثلاثين عاماً، عندما بدأت بتجميع «قصاصات» الأخبار المتعلقة بحُرية الصحافة، ثم تطوَّرت الأمور، لتشمل كل أشكال حُرية التعبير.

كانت الشرارة الأولى التي حفَّزتني للبدء بتلك العملية، خبر إغلاق جريدة الأنباء عام 1995م مدة خمسة أيام، وساهم عملي في جريدة السياسة في الاطلاع على جميع الصحف والمجلات والتقاط الأخبار التي أبحث عنها.

في تلك الفترة لم يكن لدي مشروع واضح لطريقة استثمار تلك المعلومات غير الرصد والمتابعة، حتى بدأت فكرة كتابة تقرير عن حالة حُرية التعبير في الكويت تتبلور مع مرور الوقت، خصوصاً بعد عملي مع الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، واطلاعي على الكثير من إصدارات المنظمات الدولية والعربية. ومع ظهور الإنترنت تمكَّنت من تصفُّح مواقع المنظمات الحقوقية، وقراءة تقاريرها السنوية عن الكويت والعالم العربي، ومن هنا بدأت الحكاية.

Ad

لقد لاحظت في الكثير من التقارير عدة نقاط، أبرزها: عدم الدقة في كتابة أسماء الكُتَّاب والصحافيين والحوادث التي رُصدت، وعدم رصد حوادث تُعد بارزة، واستمرار ذكر وقائع انتهت وأُغلقت ملفاتها.

حاولت فهم ما يجري، وكيف تتم كتابة تلك التقارير، ومَنْ المكلَّف بكتابتها. ولأجل ذلك تواصلت مع مجموعة من الناشطين الكويتيين، الذين أعطوني بعض الإجابات المهمة. لكن احتكاكي المباشر مع ممثلي تلك المنظمات، ضمن اجتماعات وفعاليات مختلفة للاتحاد الدولي للصحافيين والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها، كشف لي الكثير من الأمور، أولها أن بعض تلك التقارير، وخاصة عن منطقة الخليج، يكتبها عرب يعملون في تلك المنظمات الدولية، أقلامهم مشبَّعة بأحكام مسبقة وقوالب جاهزة عن «عرب البترودولار» وأنماط حياتهم المرفهة. وكان مقياسي الرئيسي هو عدم معرفتهم بمسيرة الكويت مع الدستور والديموقراطية، وهامش الحُرية المميَّز الذي تتمتع به الصحافة والحياة السياسية مقارنة مع الكثير من الدول العربية.

لقد أيقنت أن الوقت قد حان لكتابة أول تقرير عن الكويت، وعرضت الفكرة على جمعية الخريجين، ممثلة بأخي العزيز سعود العنزي، وحصلت على الموافقة، خصوصاً أن التقرير سيصدر عن لجنة الدفاع عن حُرية التعبير التابعة للجمعية. ولكي يُنفذ كُنت بحاجة لمساعدة مهنية من شخصية متمرسة في ذلك المجال، وأتتني المساعدة من الدكتور غانم النجار، الذي انصب جهده في توجيهي لكيفية كتابة تقريرٍ محايد متجرِّد من العبارات المنحازة أو الناقصة مع ذكر المصادر الدالة عليها. وأخيراً تكفَّل المغفور له بإذن الله الدكتور أحمد البغدادي بالمراجعة الإملائية والنحوية.

كان التقرير الأول عام 2001م هو الأطول والأكثر غزارة بالأحداث، لأنه غطَّى الفترة من 1995م – 2000م، وتوالت بعده ثلاثة تقارير حتى عام 2007م. حينها تبدَّل المشهد بالكامل مع دخول النشر الإلكتروني ساحة العمل السياسي والإعلامي، كما تزايد صدور الصحف الجديدة لأكثر من 9 صحف يومية، مما جعل عملية الرصد تحتاج إلى طاقم عملٍ وتفرُّغٍ كامل، وأفضل ما قُمنا به لكي ننهي أعمالنا هو جمع كل التقارير التي أصدرتها لجنة الدفاع عن حُرية التعبير في كتابٍ واحد، وإصدارها عام 2009م، ليكون مرجعاً ووثيقة تاريخية لمرحلة مهمة من تاريخ الكويت الصحافي والديموقراطي والسياسي.

في الختام، لا أريد في هذه الأسطر وضع جميع المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحُرية التعبير في قالبٍ واحد، كما يتعامل بعضهم معنا، لكنني سأتوجَّه إلى أصحاب القرار فيهم، لأقول إن العالم اليوم انفتح بطريقةٍ تجعل من عملية التحقق من صحة ودقة ما يُنشر لديكم أكثر سهولة مما سبق، ومسؤوليتكم تجاه مصداقية تقاريركم زادت، ولم يعد مقبولاً أن تُسلَّم مهمة الكتابة عنَّا لأشخاصٍ ينظرون إلينا كوزنٍ زائد في هذا العالم.