عن عمر ناهز 73 عاما، رحل عن عالمنا، أمس، الفنان الكبير هاني شاكر، بعد صراع مع المرض.

وأعلن نجله شريف الخبر وكتب منشورا عبر مواقع التواصل كتب فيه «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره أنعي والدي وصديقي وضهري وسندي وحبيبي وأخويا؛ فقيد الوطن أمير الغناء العربي هاني شاكر، لم أفقد أبا؛ بل فقدت روحي وأقرب إنسان إلى قلبي».

أزمة صحية حادة 

Ad

رحيل أمير الغناء العربي جاءت بعد رحلة علاج صعبة للغاية وانتشار عدد من الشائعات حول وفاته خلال الفترة الماضية بعد أن نقل في وقت سابق إلى أحد المستشفيات في فرنسا لاستكمال علاجه، بعد تدهور حالته الصحية في مصر، ودخوله غرفة العناية المركزة نتيجة أزمة صحية حادة.

تعرّض الراحل لمشكلات في القولون خلال الفترة الأخيرة، وخضع لجراحة عاجلة وترتّب عليها عدد من المشكلات الصحية في وقت لاحق، وتعرّض لأزمة صحية أدت إلى نقله إلى أحد المستشفيات في فرنسا بناء على طلب أسرته.

حالة فنية خاصة 

وبرحيله، يودّع الوسط الفني مطرباً شكّل جزءاً من الذاكرة الموسيقية لأكثر من جيل، بعدما ظل صوته حاضراً في وجدان الجمهور منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى السنوات الأخيرة.

لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب ناجح، بل كان حالة فنية خاصة ارتبطت بفكرة الأغنية الرومانسية التي تقوم على الإحساس الصادق والكلمة الرقيقة. ومنذ ظهوره الأول، استطاع أن يفرض حضوره وسط جيل كامل من المطربين، مستنداً إلى صوت دافئ وقدرة واضحة على التعبير عن المشاعر الإنسانية.

 

برامج الأطفال 

وُلد شاكر بالقاهرة في 21 ديسمبر عام 1952، وبدأت علاقته بالغناء مبكراً عندما شارك طفلاً في برامج الأطفال التي كان التلفزيون المصري يقدّمها في الستينيات، ومع مرور الوقت أصبحت الموهبة أكثر وضوحاً، فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية، حيث تلقّى دراسة أكاديمية ساعدته على تطوير صوته وصقل أدواته الفنية.

هاني شاكر

نقطة الانطلاق 

البداية الحقيقية لمسيرته جاءت عندما لفت انتباه الموسيقار محمد الموجي، الذي آمن بموهبته، وقدّم له الدعم الفني في بداياته. وفي عام 1974 قدّم شاكر أغنية «حلوة يا دنيا»، كلمات صلاح فايز، وهي الأغنية التي شكّلت نقطة الانطلاق الحقيقية نحو الشهرة، إذ حققت نجاحاً واسعاً، ولفتت الأنظار إلى صوت جديد يحمل ملامح المدرسة الطربية الكلاسيكية.

العندليب الأسمر 

في تلك الفترة كان اسم هاني شاكر يقترن كثيراً باسم عبدالحليم حافظ، إذ رأى بعض النقاد أن صوته قريب من مدرسة العندليب الأسمر. لكن شاكر لم ينفِ تأثره بحليم، بل اعتبر المقارنة تكريماً له، مؤكداً دائماً أنه تعلّم الكثير من أسلوبه في الأداء والإحساس، وهو ما جعله يقدّم عدداً من أغنياته في حفلاته لاحقاً.

خلال سنوات قليلة أصبح شاكر واحداً من نجوم الأغنية المصرية، وقدّم عشرات الأغنيات التي رسّخت مكانته في الساحة الفنية. وتعاون مع عدد كبير من كبار الشعراء والملحنين، من بينهم بليغ حمدي ومحمد الموجي وعبدالرحمن الأبنودي ومجدي نجيب وحسن أبوالسعود.

ومن بين الأغنيات التي ارتبطت باسمه «كده برضه يا قمر»، التي تحولت إلى واحدة من أشهر أعماله، خصوصاً أن المطربة شادية كانت تنوي غناءها قبل أن تتنازل عنها للمطرب الشاب آنذاك.

السينما والغناء 

ورغم نجاحه الكبير في الغناء، خاض هاني شاكر تجربة محدودة في التمثيل، حيث ظهر في 4 أفلام فقط خلال فترة السبعينيات. بدأ ظهوره السينمائي بفيلم سيد درويش عام 1966، حين جسّد شخصية فنان الشعب في مرحلة الطفولة. ثم شارك في فيلم «عندما يغني الحب» إلى جانب عادل إمام، قبل أن يقدّم فيلم «عايشين للحب» مع نيللي عام 1974، وفيلم «هذا أحبه وهذا أريده» في العام التالي. وبعد ذلك فضّل الابتعاد عن السينما والتركيز على الغناء والحفلات.

المسرح الغنائي 

كما خاض تجربة المسرح الغنائي، وشارك في مسرحية «سندريلا والمداح» مع نيللي ووحيد سيف، ثم مسرحية «مصر بلدنا»، إلى جانب المطربة فايزة أحمد، كما شارك في أوبريت «أنشودة العروبة» الذي قدّم في مهرجان الجنادرية بالسعودية.

لكن مسيرة شاكر لم تكن خالية من الألم، إذ تعرّض لعدد من الصدمات الإنسانية التي تركت آثاراً عميقة في حياته. كانت أقسى تلك اللحظات حين فقد ابنته دينا عام 2011، بعد صراع طويل مع مرض السرطان. وقد ترك رحيلها جرحاً عميقاً في نفس الفنان الذي بدا منهاراً خلال عزائها، معترفاً في لقاءات عدة بأن تلك اللحظة كانت الأصعب في حياته.

وقبل ذلك بسنوات، عاش شاكر تجربة مؤلمة أخرى برحيل والدته التي توفيت في يوم عيد الأم إثر أزمة قلبية. ومنذ ذلك الوقت ظل يرفض الاحتفال بهذه المناسبة، وفاءً لذكراها التي كانت الأقرب إلى قلبه.

وإلى جانب نشاطه الفني، أدى شاكر دوراً مؤثراً في الحياة النقابية حين تولى منصب نقيب المهن الموسيقية في مصر عام 2015. وخلال فترة رئاسته للنقابة دخل في مواجهات عديدة دفاعاً عما اعتبره حماية لقِيَم الفن المصري، وكان من أبرز قراراته منع عدد من مطربي المهرجانات من الغناء لعدم عضويتهم في النقابة، وهو القرار الذي أثار جدلاً واسعاً داخل الوسط الفني.

مطرب رومانسي 

واستمر شاكر في منصبه لعدة سنوات، قبل أن يقدم استقالته النهائية عام 2022 بعد سلسلة من الأزمات داخل النقابة، ليطوي بذلك صفحة مهمة من حياته المهنية.

طوال مسيرته ظل شاكر وفياً للصورة التي عرفه بها الجمهور: مطرب رومانسي يراهن على الإحساس والكلمة الهادئة واللحن التقليدي القريب من روح الطرب. ومع رحيله بعد صراع قصير مع المرض في القاهرة، يفقد العالم العربي واحداً من أبرز أصواته العاطفية، فناناً عاش للغناء وترك خلفه رصيداً كبيراً من الأغنيات التي ستبقى شاهدة على حضوره في تاريخ الموسيقى العربية.