لم يبذل العرب المسلمون في دول مجلس التعاون الخليجي جهداً يُذكر للتأكد من العداوة السوداء العميقة التي تحملها لهم إيران الثورة الخمينية التصديرية، فقد كفتهم إيران نفسها مؤونة ذلك بأفعالها قبل أقوالها، وباعتداءاتها الدموية المتكررة قبل نواياها الخبيثة المُضمرة، رغم كل ما أبدته هذه الدول العربية من طول صبرٍ وأناة، ورغم كل ما مارسته من تسامحٍ وتعاونٍ وحِكمة. 

وهنا، لن أذهب بعيداً في المساحة، ولا في الزمن، لأسرد الأمثلة الدامغة على هذه العداوة الإيرانية الدامية، إذ يكفي أن أتخذ من وطني الكويت ومن العهد القريب نموذجاً، لأذكر وأذكِّر بمسلسل الاعتداءات، بدءاً من تفجيرات عام 1983 التي استهدفت السفارتين الأميركية والفرنسية ومطار الكويت الدولي، ثم اختطاف طائرة الخطوط الجوية الكويتية «كاظمة» عام 1984، وما شهده العام التالي من تفجيرات للمقاهي الشعبية، التي ارتقى على إثرها 11 شهيداً، وأُصيب 89 جريحاً. ومن محاولة نظام الملالي الإيراني اغتيال الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد، طيَّب الله ثراه، ليختطف النظام نفسه على يد مجرمه المدلل آنذاك عماد مغنية طائرة الجابرية عام 1988، بهدف الضغط للإفراج عن مُجرمي تفجيرات عام 1983، لتتوالى بعد ذلك دسائس الخُبث وفصول الغدر، التي تَوَّجتها عام 2015 «خلية العبدلي»، التي بنت مستودعات أسلحة وصل مخزونها إلى 20 طناً من الذخيرة والمتفجرات، وآلاف الرشاشات والبنادق والقذائف. وها هي الكويت تكشف في شهرَي مارس وأبريل الماضيين عن أربع خلايا إرهابية تضم 74 متهماً درَّبتهم وموَّلتهم وغرستهم إيران في خاصرة وطني عنواناً لحُسن الجوار. 

وإذا مددنا أُفقنا ليشمل الدول العربية كُلها، نجد أن نظام الملالي في طهران هو المسؤول - وباعترافهم وتبجحهم- عن جِراح لبنان، وانقسام ليبيا، وضياع العراق، وتدمير اليمن. أما سورية، فقد لَقِيَ شعبها من زبانية طهران ما لم يفعله هتلر بيهود ألمانيا، ولَقِيَت مُدنها وقُراها من براميل إيران ومتفجراتها ما يُعيد إلى الأذهان صور دمار برلين في الحرب العالمية الثانية. 

Ad

لستُ مضطراً لبعثرة أوراق التاريخ، ولا لنبش قبر أبي لؤلؤة لأعرف أن الفردوسي- صاحب «الشاهنامة»- قد أفرد قُرابة نصف كتابه لشَتْم العرب واختلاق الأكاذيب والأساطير ضدهم، ولأعرِّف بأن نظام الملالي في طهران يُدرس في مدارسه وجامعاته، ويؤكد- بمناسبةٍ، وبغير مناسبة- أن أكبر هزيمة لحقت بملوك فارس هي الفتح الإسلامي على أيدي عرب الصحراء الحُفاة العُراة. 

يقولون هذا، ثم يقفون للصلاة يؤذنون باللغة العربية: الله أكبر، ويدعون لآل البيت، وكلهم- من دون استثناء- من عرب الصحراء. ويتناسون أن عرب الصحراء هم الذين نوَّروا الفُرس بنور الإسلام، وأن عرب الصحراء هم الذين أنقذوا كِسرى من أباطرة الرومان، وأن عرب الصحراء هم الذين جعلوا إيران شريكاً في بناء إمبراطورية مسلمة انتشرت على اتساع قارات ثلاث. 

وها هم ملالي طهران اليوم يُكررون خطيئة كِسرى، تقتل إسرائيل أربعين من كبار زعمائهم في يومٍ واحد، وتقضي مع حليفها الأميركي على أسلحتهم وأسطولهم ومشروعهم النووي، فتوجِّه إيران 86 في المئة من صواريخها ومسيَّراتها (6325) إلى دول مجلس التعاون، ولا ينال إسرائيل مقابلها إلا أقل من 1000 مسيَّرة وصاروخ، علماً بأن بين دول مجلس التعاون مَنْ ليس لديها أي قاعدةٍ عسكريةٍ أميركية، وعلماً بأن دولاً مجاورة عديدة لديها مثل هذه القواعد ولم تُحرِّك إيران تجاهها تصريحاً صحافياً واحداً، وعلماً بأن كل الدول الخليجية المعنيَّة أعلنت مراراً وتكراراً أنها لن تسمح بانطلاق أي عدوانٍ على إيران من أراضيها. 

نعلم تماماً، كما يعلم ملالي طهران تماماً، أن إسرائيل ستكون مسرورةً، مثلهم، بكل أذى يُصيب دول مجلس التعاون، لكنه الحقد الموروث هو الذي يجعل نظام الملالي يستغل فرصة حرب الأربعين يوماً لينفث سمومه على عرب الصحراء، بعد أن سمَّم أجواء وشعوب أربع من دول عرب المتوسط.

أما عن ذريعة المظلومية الواقعة على الطائفة الشيعية الكريمة في دول مجلس التعاون، والتي يسعى نظام الولي الفقيه لتصدير ثورته إلى جيرانه بسببها، وفق المادة 54 من الدستور الإيراني، فإنها مجرَّد ادِّعاء ليؤجج نار الطائفية في نسيج المجتمع الواحد. ومرة ثانية أختار وطني الكويت نموذجاً واضحاً على كذب هذه الذريعة، فالمواطن الكويتي الشيعي شريك أصيل في الوطن والإدارة والقرار، يُمارس شعائره بكل كرامةٍ وحُرية في أكثر من ثلاثين مسجداً شيعياً و140 حسينية مرخصة. والمواطن الكويتي الشيعي يحظى بالفُرص العادلة والكاملة في حياة الكويت السياسية والاقتصادية والإدارية. فهو ممثل في كل تشكيل حكومي، وهو ممثل بمجلس الأمة في كل دوراته، وبأكثر من نسبته إلى مجموع السكان على الأغلب، وهو قائد في الجيش، ومحافظ للبنك المركزي، ومندوب في الأمم المتحدة، وسفير في العديد من الدول... فما هي حقوق المواطن السُّني في طهران؟ لا مسجد له، رغم وجود أكثر من مئة كنيسة وكنيس، وليس له مقعد وزاري واحد، ولا منصب سياسي أو إداري كبير، ولا صحيفة، ولا منبر، ولا وسيلة تواصل اجتماعي واحدة. 

لا أُريد ولا أرغب في مدح الولايات المتحدة الأميركية أو الدفاع عنها، والله وحده يعلم مدى المرارة التي أشعر بها تجاه إدارتها لحربها على إيران بمشاركة إسرائيل، لكن ثمة حقائق في السياسة والحياة  يقتضي العلم والواجب أن أذكِّر بها الجارة اللدود إيران، لعلها تعرف من خلالها أن حاجتها للتعاون المُخلص مع جيرانها لا تقل عن حاجة جيرانها لذلك: 

أولاً- بموجب «علم الجغرافيا السياسية»، فإن شخصية الدولة وقُدراتها تُقرِّرها الجغرافيا إلى حدٍّ بعيد. وبموجب «علم الجغرافيا السياسية» أيضاً، يعتبر الكثيرون - من مؤيدي الولايات المتحدة الأميركية ومعارضيها- أن القرن الحادي والعشرين هو عصر المركزية الأميركية، وأن دراسة القرن الواحد والعشرين تعني دراسة الولايات المتحدة الأميركية. 

ثانياً- في ثمانينيات القرن العشرين، ولأول مرة في التاريخ، يتوازن حجم التجارة عبر المحيط الهادي مع حجم التجارة عبر المحيط الأطلسي، ويفقد هذا الأخير سيطرته المُطلقة في هذا المجال. 

وبتعبيرٍ آخر، إن الدولة أو الدول التي تستطيع التحكُّم في النظام التجاري الدولي، وبالتالي في الاقتصاد العالمي، هي الدولة المشاطئة لهذين المحيطين. 

ثالثاً- يرى الأدميرال الأميركي ألفرد ماهان (الذي يعتبره البعض أعظم مفكِّر جيوسياسي أميركي)، أن السيطرة على البحار تعني السيطرة على العالم. وهذا ما يُفسِّر لنا سبب تأكيد الرئيس ترامب وقادته العسكريين على ما يدَّعونه من سيطرةٍ كاملة على البحار، ومن تحطيمٍ كامل للأسطول الإيراني. وهذا ما يُفسِّر لنا قول الرئيس ترامب بأنه سيُعيد النظر في أحقية المملكة المتحدة بجُزر فوكلاند، لأن مارغريت تاتشر ما كانت لتستطيع إعلان حرب فوكلاند لو رغبت أميركا في منع هذه الحرب، نتيجة سيطرتها البحرية. 

رابعاً- يقول جورج فريدمان، في كتابه الصادر عام 2009 بعنوان «الأعوام المائة القادمة استشراف للقرن الحادي والعشرين»، إن الولايات المتحدة الأميركية لا تحتاج إلى الانتصار في الحروب، وما تحتاجه، بكل بساطه، هو إغراق الآخرين في الفوضى، بحيث لا يمكن لهم أن يملكوا قوةً كافية لتحديها في المستقبل. 

ويستشهد فريدمان على قوله هذا بهزيمة الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام وأفغانستان. ماذا نتج عن هاتين الهزيمتين فعلياً؟ فيتنام وجيرانها أصبحوا في عِداد الدول التي تُعيد أميركا بناءها عمراناً واقتصاداً ونفوذاً، وأفغانستان تنتظر نصيبها في إعادة تشكيل المنطقة. 

وهنا، وعند هذه النقطة بالذات، يجب أن نقف طويلاً ونفكِّر عميقاً ونحسب بدقة. إن إيران المُصدِّرة للثورة عندما تُعادي جيرانها وتعتدي عليهم وتُضعف قدراتهم الاقتصادية، إنما تساعد أميركا في تحقيق هدفها، بجعل إسرائيل الدولة الأقوى، والمركز المالي والتقني والاقتصادي الأكفأ في المنطقة كلها. أما إذا حافظت إيران على علاقات سلمية طيبة ومتكافئة مع دول مجلس التعاون، فإن هدف حرب الأربعين يوماً لن يتحقق. 

بعد هذا كله أقول لجارتنا اللدود، التي أصرَّت باستكبار وعنف على أن تجعل من العرب عموماً، ومن دول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً، أعداءً لها، ليس بالحقد تُبنى الدول، وليس بالخُبث تتوطَّد العلاقات الدولية، وليس بالعدوان يمكن تغيير حقائق الجغرافيا السياسية. وإنكم وإيانا أسرى الجغرافيا والتاريخ، ولا فكاك لكم، ولا فكاك لنا من هذا الأسر إلا بروح الشراكة المستقبلية.