دراسة الأدب الإنكليزي لا تقتصر على قراءة الروايات وسِيَر الأدباء، بل تكمن قيمتها الحقيقية في «تفكيك» الكلمات، وقراءة ما خلف السطور، وفهم المقاصد العميقة التي يمررها الكاتب. هذا تحديداً ما تعلَّمته خلال دراستي الأكاديمية، حيث استشفيت أن الإنكليز لا يُغيِّرون ثوابتهم الأدبية، بل يستخدمونها كـ «سلاحٍ» دائم لإيصال رسائلهم المشفَّرة في الخطابات.
وفي زيارته الأخيرة لواشنطن، لم يخرج الملك تشارلز عن هذا البروتوكول الأدبي الإنكليزي. ففي الخطابات والمناسبات الكُبرى، تبرز أهمية الأدب وفن الخطابة في إيصال الرسائل وإثبات القوة والتمكُّن.
القوة الأدبية لا تقل أهميةً عن القوة العسكرية، وهنا نقوم بـ «تفكيك» جزء من الخطاب الذي استخدم فيه الملك تكتيك «الهيمنة اللطيفة»- أو يُطلق عليه «Sophisticated Dominance»- الذي يضع الطرف الآخر في حجمه التاريخي الطبيعي في إطار الدعابة. وهنا نتحدَّث عن أهمية دور الأدب في تحجيم الآخر بأدب.
لا بد من القول إن الخطابات الملكية البريطانية تتطلَّب مجهراً دقيقاً، لأن القوة- بنظرهم- دائماً بالهدوء.
ربما أقوى «مبارزة لغوية وتاريخية» قالها الملك تشارلز بشكلٍ مختصر، الأولى كانت عندما ذكر الملك: «لدينا في الواقع كل شيءٍ مشترك مع أميركا هذه الأيام، باستثناء اللغة بالطبع!»... وهذا فكاهي، لكنه تذكير بالأصل والفرع، والمعنى: نحن نتحدَّث نفس الكلمات، لكننا نقصد أشياء مختلفة تماماً، و«افهم يا فهيم».
فعندما يتم تذكير الطرف الآخر بجذوره اللغوية أو الثقافية، نخرج من جو الفكاهة إلى «الأستذة». فقُدرة الأدب واللغة على أن يكونا حِصناً للدولة، يثبت للعالم أن مَنْ يمتلك قوة البيان والرواية التاريخية، هو الذي يمتلك القوة الحقيقية، حتى وإن بدا الأمر مجرَّد «دعابة» ونكتة «عالطاير».
والثانية عندما استعرض ترامب مقولته المفضَّلة، أن أوروبا كانت ستتحدَّث الألمانية لولا التدخُّل الأميركي في الحرب العالمية الثانية. فرد الملك تشارلز: «أجرؤ على القول إنه لولا وجودنا (بريطانيا)، لكنتم تتحدَّثون الفرنسية اليوم». والواضح أنها ليست دُعابة بريئة، لكنه تذكير بأن الوجود الأميركي نفسه مَدين تاريخياً للتاج البريطاني، الذي حماها من التوسُّع الفرنسي قبل الاستقلال.
واستحضار اسم أدباء، مثل تشارلز ديكنز، هو تأكيد على أهمية دور بريطانيا في صياغة الثقافة التي تقوم عليها الهوية الأميركية نفسها.
كما أشار الملك تشارلز، بروح الدعابة، إلى حادثة البيت الأبيض عام 1814، والذي أحرقته بريطانيا، آنذاك، وتم طلاؤه بالأبيض، والذي سُمي اليوم البيت الأبيض بعد تلك الحادثة.
وهنا تكمن أهمية القراءات الخفيَّة في اللغة والتاريخ. هذا النوع من البرود الإنكليزي هو «إرث» أدبي متجذِّر، وهو سلاح إنكليزي«لطيف» تعقبه كأس نخب.
بالقلم الأحمر: القراءة الأدبية مفيدة لفهم الخطابات الكبيرة. ونعترف بأن الملك تشارلز لديه روح دعابة من الطراز الفاخر.