كأن الكويت، بعد هذا الانقطاع القسري، لا تعود إلى حياتها فحسب، بل تعود وهي أكثر وعياً بنفسها، وأشد يقظةً لمسارها. فعودة الامتحانات الحضورية ليست إجراءً تعليمياً عابراً، بل إعلانٌ صريح أن الدولة استعادت زمام الإيقاع، وأن ما كان استثناءً قد انقضى، ليحل محله انتظام أكثر صلابةً ونضجاً. 

لم تكن الأسابيع الماضية فراغاً زمنياً يُطوى، بل كانت لحظة اختبار كاشفة، لحظة انكشفت فيها المعادن الحقيقية للمؤسسات، وسقطت فيها رهانات الارتجال. ففي قلب التحدي، لم تتصرَّف الدولة بوصفها كياناً مرتبكاً، بل بوصفها منظومة تعرف كيف تُدير أزماتها بعقلٍ باردٍ ورؤيةٍ بعيدة، مستندة إلى خِططٍ بديلة لم تُكتب لتُحفظ في الأدراج، بل لتُستدعى عند الحاجة، وتُفعَّل بكفاءة.

ومن بين هذه الصورة، برزت جامعة الكويت، لا كجهةٍ تعليمية فحسب، بل كجبهة وعيٍ وانضباط. لم يكن انتقال طلبة كلية الحقوق إلى الاختبارات عن بُعد مجرَّد حلٍّ تقني، بل كان برهاناً على أن المعرفة قادرة على أن تجد طريقها مهما تغيَّرت الوسائط، وأن المؤسسة التي تمتلك رؤيةً حقيقيةً تستطيع أن تُحوِّل التحدي إلى مساحة أداء. هناك، تلاقت خبرة الأساتذة مع جدية الطلبة، فصنعت نموذجاً يختصر معنى الجاهزية حين تتحوَّل من شعارٍ إلى ممارسة.

Ad

غير أن الأثر الأعمق لهذه التجربة لا يُقاس بنتائج امتحان، بل بما تركته في الوعي. فقد خرج منها جيلٌ لا ينظر إلى الوطن بوصفه معطى ثابتاً، بل مسؤولية متجددة، جيل يُدرك أن التاريخ ليس سرداً ماضوياً، بل أداة قراءة للمستقبل، وأن الأمم التي تجهل دروسها تُفاجأ دائماً بما كان يمكن توقُّعه.

ثم جاءت هذه المحنة لتُعيد ترتيب البوصلة، ولتقول بوضوح إن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، بل بالعِلم، وبالطب حين يشتد الخطر، وبالإنسانيات حين يُراد للهوية أن تبقى يقظة. 

لقد كشفت المرحلة أن المعركة الحقيقية ليست فقط في ميادين المواجهة، بل في العقول التي تفهم، وفي النفوس التي تنتمي، وفي أجيالٍ تعرف لماذا يجب أن تبقى متماسكة.

لهذا، لم تكن هذه التجربة سحابة صيف، ولا عاصفة عابرة، بل كانت امتحاناً للتماسُك، قبل أن تكون اختباراً للأنظمة. وفي لحظاتها الأشد، أثبتت الكويت أن وحدتها ليست طارئة، وأن انضباطها ليس ظرفياً، بل هو جزء من بنيتها العميقة التي تظهر كلما اشتد الضغط.

وفي النهاية، لا تقف الحكاية عند عودة الحياة، بل عند كيفية عودتها: أكثر وعياً، وأكثر استعداداً، وأكثر إيماناً بأن الأمن لا يُصان عند الحدود فقط، بل في المدرسة، والجامعة، وفي وعي الإنسان بذاته ووطنه. 

تلك هي الخُلاصة التي لا تُكتب في التقارير، بل تُرسِّخها التجارب: أن الأوطان التي تُحسن اختبار نفسها في الأزمات، لا تعود بعدها كما كانت، بل كما ينبغي أن تكون.