ما يحدث اليوم في سوق «التنمية البشرية» ليس مجرد خلل، بل فضيحة مفتوحة. مجال يُفترض أنه قائم على العلم والمعرفة، تحوّل إلى مسرح عبثي يتصدره أشخاص بلا تأهيل، بلا دراسة، بلا أي أساس أكاديمي محترم، ومع ذلك يتحدثون بثقة زائفة وكأنهم صُنّاع وعي.
الحقيقة الصادمة أن كثيراً ممن يقدّمون أنفسهم كـ «مدربين دوليين» لا يملكون حتى الحد الأدنى من الفهم العلمي في علم النفس أو السلوك الإنساني. كل ما لديهم هو مجموعة عبارات محفوظة، وشهادات مطبوعة من جهات وهمية، مثل ما يُسمى بـ «أكاديمية الإبداع» وأمثالها من الكيانات الورقية التي لا وجود لها إلّا لتفريخ الألقاب وبيع الأوهام. الأمر لم يعد مجرد استغلال مالي، بل احتيال فكري منظم. هؤلاء لا يسرقون أموال الناس فقط، بل يعبثون بعقولهم، يزرعون فيهم تصورات مشوّهة عن النجاح، ويبيعون لهم حلولاً سريعة لمشاكل معقّدة، وكأن الحياة تُحل بدورة نهاية أسبوع وشهادة مزيفة.
الأخطر أن هذه الظاهرة وجدت بيئة خصبة في مجتمع يبحث عن الأمل بأي ثمن. فبدل أن يُدفع الناس نحو التعليم الحقيقي، والمهارات الفعلية، يتم تخديرهم بخطابات تحفيزية فارغة، تُشعرهم بلحظة نشوة مؤقتة، ثم تتركهم في المكان نفسه، بلا تقدم حقيقي.
المهنة تحولت إلى ملجأ لكل من فشل في مسار آخر. لا وظيفة؟ لا تخصص؟ لا مشكلة. افتح حسابًا، اطبع شهادة، وقدّم نفسك كـ «كوتش معتمد». لا رقيب، لا محاسبة، لا معايير. فوضى كاملة تُدار باسم التنمية. وهنا لا بُدّ من المواجهة الصريحة: هذا العبث يجب أن يتوقف. لا يمكن ترك عقول الناس وأموالهم عرضة لمثل هذا الاستغلال الرخيص.
المطلوب ليس فقط نقداً، بل تشريع واضح يجرّم الادعاء المهني الكاذب، ويضع ضوابط صارمة لأي جهة تقدّم التدريب أو تمنح شهادات. كما أن المسؤولية تقع على الأفراد. التحقق واجب، والوعي ضرورة. لا تنخدع بالخطابات الرنانة ولا بالصور المسرحية. اسأل: ما مؤهله؟ مَن اعتمده؟ ما خلفيته العلمية؟ لأن الجهل بهذه الأسئلة هو ما يغذي هذه السوق القذرة.
التنمية الحقيقية لا تُباع، ولا تُختصر، ولا تُسوّق بهذا الابتذال. وما يُعرض اليوم تحت هذا الاسم، في كثير من الأحيان، ليس إلّا خدعة كبيرة... يدفع ثمنها مجتمع بأكمله.