مازلتُ أتذكَّر والدي، رحمة الله عليه، وهو يُكبِّر بأعلى صوته فرحاً بخبر إعلان عبور الجيش المصري خط بارليف في الساعات الأولى من اشتعال الجبهات السورية والمصرية ضد إسرائيل.

عند الرجوع إلى خطاب النصر والسلام الشهير الذي ألقاه الرئيس محمد أنور السادات في السادس عشر من أكتوبر 1973، أي بعد مرور 11 يوماً فقط على اندلاع الحرب، أدركتُ أن هذا الكيان لا يمكن القضاء عليه ما دامت الولايات المتحدة الأميركية تقف خلفه ومعه وأمامه.

حينها فهمت أن إسرائيل لا يمكن هزيمتها، والفضل بذلك يعود إلى الأميركي، الذي يرى أن مصالحه في الشرق الأوسط مرتبطة بوجود هذا الكيان. لذلك، لا تتعجَّب من حجم الدعم اللامحدود الذي تُقدِّمه الولايات المتحدة على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري.

Ad

أصبحتُ على يقين بأن تحجيم أو فك هذا الارتباط لن يتم من خلال التطبيع، أو إقامة علاقات مباشرة مع إسرائيل، سواء كانت جمهورية أو ديموقراطية، فالأمر أكبر من ذلك.

في البداية، يجب فهم طبيعة هذا الارتباط، ولماذا يُسيطر اللوبي الصهيوني على القرار الأميركي، وتعاطف الشعب الأميركي المؤمن بسردية المظلومية وحق اليهود في إقامة دولتهم على الأرض الموعودة، وأن العرب والمسلمين هم المتطرفون الهمج.

وبالإشارة إلى قوة اللوبي الصهيوني واليهودي، انظر إلى حجم نفوذه المالي وتأثيره على الاقتصاد الأميركي، فالأصول المالية لليهود تُقدَّر بأكثر من 22 تريليون دولار، والتي تُدير وتتحكَّم في سياسات كبرى الشركات العالمية، والمحرِّك الرئيسي للبورصة الأميركية، فيما استثمارات الدول العربية والإسلامية، مجتمعةً، لا تتجاوز تريليون دولار، معظمها في سوق السندات الحكومية الأميركية. لذلك، يمكن بسهولة معرفة قوة اللوبي الصهيوني واليهودي وتأثيره على القرار الأميركي.

على ضوء ذلك، فإن مَنْ يعتقد أن الإدارة الأميركية ستتخلَّى عن دعمها لإسرائيل فهو حالم. لذلك، ما لم يتحرَّر العالم من هيمنة الدولار الأميركي، فلن ينفك هذا الارتباط، ومَنْ يتصوَّر أن أميركا سوف تنهار بسبب ديونها الداخلية، فهو يُغرِّد خارج السِّرب.

خُلاصة القول، إن الاقتصاد الأميركي لن يتأثر بتبعات الحرب مع إيران، ولن يكترث لما تمرُّ به المنطقة، بل إن مصلحته في بقاء الوضع هكذا. وكذلك الحال عند التوصل إلى اتفاق معها، فإنه سيزوي إيران عن المعادلة الصينية.

تبعات هذه الحرب على المنطقة خارج حسابات الإدارة الأميركية، وقد يتساءل البعض: لماذا هذه الحرب؟ وهل فعلاً كانت بسبب تمسُّك النظام الإيراني بالبرنامج النووي؟

كل ذلك فسَّره المحللون، وبأكثر من زاوية، ومع ذلك تبقى المواجهة الغائبة الحاضرة بين المارد الصيني وبين الدولار الأميركي هي الفيصل.

الخُلاصة: متى ما تجاوز العالم هيمنة الدولار، حينها فقط سيفك الارتباط بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وسيكون بداية انهيار الكيان، وعندها ينقلب السحر على الساحر، وحلم إسرائيل الكبرى لن يتجاوز حدود 1967.

ودمتم سالمين