دائماً ما يتوق المرء إلى البلاد التي يُحبّها، ويعشقها، ويُحب أهلها وناسها، ولهذا فهي على باله وفي خاطره كلما مرَّ طيفها، أو رأى صورةً أو مقطع فيديو عنها، وهذه هي حالي في تذكُّر أيام خلت عِشتُها في حضرموت، والتي دوماً ما تحفزني بضرورة السَّفر والتّرحال إليها في كل وقتٍ وحين، والحقيقة فأنا في شوقٍ جارفٍ لزيارتها، وفي ولعٍ شديدٍ بالتنقل بين جنباتها، بين مُدنها وقُراها، بين ساحلها وواديها وصحرائها، فحضـرموت هي أرض الله الخيِّرة المملوءة بالجمال والسّحر والبهاء والضّياء، قبل أن تكون خيِّرةً بثرواتها الطبيعية التي جلبت لها كل البلاء، وأنا بطبعي لا أومن بتلك الثروات الناضبة، ولكنني أومن أشد الإيمان بالثروة الكامنة في ناسها، في شبابها، في فتيانها وفتياتها، ويا حبذا لو اهتم العرب جميعهم بالعقول المفكِّرة والمنتجة، ولو بنسبة 10 بالمئة فقط من اهتمامهم بالثروات جميعها دون استثناء. والأمثلة في عالم اليوم عديدةٌ بين دولٍ اهتمت بأبنائها، ونهضت بهم، والمجال هنا لا يسمح بالسَّرد الكثير.

إن الزائر لحضرموت يُلاحظ أنها قصيدة من طينٍ وضوء، كتبتها القرون السَّحيقة، ووقَّعها الصَّبر والنضال، وبنتها أيادي الرجال وعزائمهم، فمنهم دونما سواهم، من صمَّم على إيصال رسالة الإسلام بالسِّلم إلى أقاصي الدنيا، شـرقها وغربها، كما أوصلوا التجارة أيضا، فكانوا ربابنة البحار، وعمالقة الصحارى، وأساتذة الاقتصاد، وبُناة الدول والأمم، فقلما تجد موطناً لا أثر فيه لأبناء حضـرموت خاصةً واليمن عامة، وقلّما تجد خيراً كثيراً لم يكن لهؤلاء يدٌ فيه.

في حضرموت، للبيوت روحٌ وريحان، وللأبواب قصصٌ وحكايات، وللنوافذ أشواقٌ وآمال، ففي شِبَامَها الصفراء تتعانق الأبراج الطينية كأنها أصابع أيادٍ مرفوعة بالدعاء إلى رب السماء، وفي تريمها الغنَّاء يتردد صدى أزقتها بفوح العلماء، وفي سيئونها الطويل تجد الإنسان الذي يُناطح الجبال الشَّماء، وأما جوهرتها المُكلا، فهي التي تعلّمنا جميعاً كيف يكون الولاء والانتماء!

Ad

كما أن قُراها، وثنايا أوديتها، أيقوناتٍ جماليةٍ لا تشبه إلّا نفسها، وهيهات أن تجد قرائن أو مثائل لها، كما أن فيها تستمع وتستمتع بذكرياتٍ جميلةٍ لقوافلٍ أبحرت شرقاً وغرباً، فكانت سفراءها الذين نشروا محبتها بين الأمم والشعوب، وتركوا بصمتها في الأسواق والقلوب، وما قلوبنا - نحن العاشقين لها - إلا غيضٌ من فيض أولئك المحبين في مختلف الأوطان، رُبَّما لأنها تشبهنا، أو لأننا نرى فيها ما نريده، صفاءً بلا ادعاء، ونقاءً بلا غثاء، نحبّها لأنها لا تتباهى بتاريخها وحضارتها، بل تعيشه في تفاصيلها اليومية. 

إن اتجاهي نحو حضرموت ليس مجرد نُزهةٍ وعمل، بل هي لقاءٌ يجمعنا بالأصدقاء، وبالأحباء، فهذه البلاد تسحركَ من ثنايا قلبك، فلا يكاد يمرُّ يومٌ دون تواصلٍ بصريٍّ معها، ولا يكاد يمرُّ شهر دون تواصلٍ هاتفي مع أحد أبنائها، فهي بحقٍ وحقيقة، بلادٌ ترتوي بالعسل الذي هو شفاء، وتغتسل بالحناء الذي خُلِقَ ليُزين النّساء، بلادٌ جمعت التاريخ والحضارة، ومزجت الخير الكثير والحب الوفير، فأنتجت الوئام والسَّلام، لتكون في قلب اليمن وذروة سنامه، ففيها لا تجد البغضاء ولا الشحناء، بل تجد المحبة الطاغية، والحبُّ الجارف، للإنسان وللحياة، وللبناء والنضال الأبدي، وهنا تتجلى أعظم صور الخلافة التي أمرنا بها رب السماء.

* صحافي يمني