في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن الدولار في أفضل حالاته. بعد انهيار نظام Bretton Woods system عام 1971، فقدت العملة الأميركية غطاءها الذهبي، وبدأت الثقة العالمية تهتز - نظام بريتون وودز هو نظام نقدي عالمي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية، يربط العملات بالدولار، بينما يكون الدولار قابلاً للتحويل إلى ذهب بسعر ثابت (35 دولاراً للأونصة) - في ذلك الوقت، لم يكن السؤال كيف تعود القوة للدولار، بل كيف يُعاد بناء نظام مالي فقد أحد أعمدته. وبين هذا الاضطراب، ظهر النفط لا كسلعة طاقة فقط، بل كأداة أعادت ترتيب المشهد الاقتصادي.

جاءت لحظة التحول الحقيقية مع أزمة النفط في 1973، حين ارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، وأدرك العالم أن هذه السلعة ليست مجرد مورد اقتصادي، بل عنصر تأثير سياسي ومالي. هنا بدأت تتشكل ملامح نظام جديد، تقوده دول OPEC - منظمة تضم دولاً منتجة للنفط تهدف إلى تنسيق السياسات النفطية والتأثير في الإنتاج والأسعار عالمياً - وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، حيث لم يعد النفط يُباع فقط... بل أصبح يُسعّر بالدولار. ومن هذه النقطة، بدأت علاقة غير مكتوبة لكنها عميقة، ربطت بين العملة الأميركية وأهم سلعة في العالم.

الفكرة كانت بسيطة، لكنها عميقة في أثرها. أي دولة تريد شراء النفط تحتاج إلى الدولار أولاً. ومع استمرار هذا النمط، بدأ الطلب العالمي على الدولار يتزايد، لأن الطاقة - التي تقوم عليها الصناعات - تمر عبره. ومع تدفق العوائد النفطية، أعيد استثمار جزء منها داخل الاقتصاد الأميركي، مما خلق دورة مالية عززت مكانة الدولار عالمياً. هكذا نشأ ما يُعرف اليوم بـ «البترودولار»، كنظام غير رسمي لكنه مؤثر.

Ad

لكن هذه العلاقة لم تكن ثابتة إلى الأبد. مع مرور الوقت، بدأ العالم يتغير. ظهرت اقتصادات جديدة، وبدأت بعض الدول تبحث عن بدائل، سواء بالعملة الصينية «اليوان» أو بعملات أخرى، كما أن التحول نحو الطاقة المتجددة يطرح سؤالاً أعمق: ماذا يحدث عندما تتغير طبيعة الطاقة؟ هل يبقى الدولار في موقعه؟

اليوم، لا يزال النفط يُسعّر في معظمه بالدولار، ولا تزال هذه العلاقة تمنحه قوة إضافية، لكنها لم تعد العلاقة الوحيدة، فالدولار مدعوم أيضاً بحجم الاقتصاد الأميركي ونفوذ نظامه المالي والثقة التي بُنيت عبر عقود. ومع ذلك، فإن أي تغير في سوق الطاقة أو التجارة قد يعيد تشكيل هذه المعادلة تدريجياً.

قصة البترودولار ليست مجرد فصل في تاريخ الاقتصاد، بل مثال على كيف يمكن لتفاهم غير معلن أن يخلق نظاماً يستمر لعقود. بدأت كرد فعل على أزمة، وتحولت إلى قاعدة تحكم الأسواق، واليوم تقف على مفترق طرق بين الاستمرار والتغير.