شهدت الكويت عبر تاريخها الحديث حضوراً بارزاً في ميادين العمل الخيري والإنساني، حتى أصبح العطاء جزءاً من هويتها الوطنية وصورتها في الداخل والخارج، ومع توسّع المؤسسات الخيرية وتنوّع أنشطتها ومشروعاتها، نشأت مرحلة جديدة تتطلب الانتقال من مجرد اتساع العمل إلى تعزيز الحوكمة والرقابة الشرعية المؤسسية، بما يواكب حجم الأموال، وتعدُّد البرامج، واتساع المسؤوليات.
ومن المهم هنا تأكيد مسألة جوهرية: الحديث عن الرقابة الشرعية لا يعني وجود نيّة لمخالفة الأحكام الشرعية، ولا يحمل تشكيكاً في العاملين بالميدان الخيري، بل هو على العكس تماماً، دليل احترام لهذا القطاع، وإيمان بأهمية صيانة رسالته، فالأنظمة لا توضع لأن الناس سيئون، وإنما لأن الأعمال الكبيرة تحتاج إلى قواعد واضحة تحفظها من الخطأ، وتضمن استمرارها بكفاءة وعدالة.
كما أن حُسن النوايا، وهو أصل عظيم في الأعمال، لا يُغني وحده عن وجود إجراءات مؤسسية واضحة، فقد يكون القائم على العمل مخلصاً وصادقاً، لكنه يخطئ في التطبيق، أو يغيب عنه جانب فقهي، أو تُستغل بعض الثغرات من أطراف أخرى، ولهذا جاءت الشريعة بحفظ الحقوق، ومنع التعدي، وتنظيم الأموال، وعدم ترك المصالح العامة للاجتهادات الفردية وحدها.
والمال الخيري ليس مالاً عادياً، بل هو مال له حُرمة خاصة، لأنه متعلّق بحقوق الفقراء والمحتاجين، ومرتبط بفريضة الزكاة، وأبواب الصدقة، ومشروعات الوقف، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بدرجة أعلى من الانضباط، لأنه أمانة أمام الله سبحانه وتعالى، ثم أمام القانون، ثم أمام المتبرعين، ثم أمام المستفيدين.
ومن الجوانب الإيجابية التي تستحق الإشادة، أن عدداً من المؤسسات الخيرية في الكويت بدأ بالفعل في تطبيق نماذج للرقابة الشرعية المؤسسية، من خلال هيئات شرعية، أو مراجعات داخلية، أو تطوير اللوائح المالية والإدارية بما يتوافق مع الأحكام الشرعية، والأهم من ذلك أن هذه المبادرات جاءت بشكل طوعي ومن غير إلزام مباشر من الجهات الرقابية، وهو ما يعكس وعياً متقدماً لدى القيادات الخيرية، وحرصاً صادقاً على تعظيم أثر هذه الأموال وتحقيق مقاصدها.
وقد يتساءل البعض: هل تؤدي هذه الإجراءات إلى تعقيد العمل الخيري وإبطاء الإنجاز؟ والجواب أن الفرق كبير بين البيروقراطية المرهقة، وبين التنظيم الذكي، فحين تكون الصلاحيات واضحة، والفتاوى معتمدة، والإجراءات محسومة، يصبح القرار أسرع، وتقل الأخطاء، وتزداد الثقة، ويتفرغ التنفيذيون للإنجاز بدل معالجة الإشكالات المتكررة.
وقد أثبتت تجارب المصرفية الإسلامية أن الجمع بين الكفاءة التشغيلية والالتزام الشرعي ليس ممكناً فحسب، بل إنه مصدر قوة واستدامة وثقة عامة. والقطاع الخيري قادر على الاستفادة من هذه الخبرات بما يتناسب مع رسالته الإنسانية.
إن الرقابة الشرعية ليست عبئاً على العمل الخيري، بل حماية له، وتعظيم لأثره، وصيانة لسمعته، وانتقال بالثقة من الأشخاص إلى الأنظمة، ومن الاجتهاد الفردي إلى البناء المؤسسي الراسخ.
في ميزان المعنى:
حين تبادر المؤسسات إلى الانضباط قبل الإلزام، فهي لا تحمي نفسها فقط، بل ترتقي بالقطاع الخيري كله.