لم يعد المواطن «كاف» يستحسن جيرانه، خصوصاً منذ تعليق الدراسة الحضورية في المدارس، إذ بدأ أولاد الجيران يربّون الأفاعي، وينصبون الأفخاخ لصيد العصافير في الحديقة، ويشعلون «الجرّاقي»، وينبحون ليلاً كالكلاب -أجلكم الله- ويموءون نهاراً كالقطط المُبتلاة، ومن شدة اعتمادهم على أكل المطاعم والتوصيل المنزلي صاروا يجمعون الزبالة في الشارع وكأنهم يبنون جبل مون بلانك الشهير الواقع على الحدود الإيطالية الفرنسية.*

فكر «كاف» أن يفتح حواراً مع الجيران، إلا أنه لم يستطع أن يبرر ذلك. أدرك «كاف» أنهم — من حيث الظاهر — من أهل الفريج، لكنه لم يعد قادراً على الجزم بمن يكونون حقاً، ولوحظ في الفترة الأخيرة أن «كاف» بدأ يشكك في جميع جيرانه بلا استثناء، فقرر عوضاً عن الحوار أن يبني سوراً داخل حدود منزله، وشرع يشيد سوراً عالياً متيناً، يحميه من إزعاج الجيران وخطورتهم.

وما إن انتهى من تشييد السور الكبير حتى لاحظ أن سلوك العمالة المنزلية وروائحهم يزعجانه جداً، وبما أنه لا يستطيع التخلص منهم (لأسباب بديهية) قرر أن يبني سوراً ثانياً داخل البيت، وتحديداً في الصالة. وحين اعترضت والدته بأن الصالة أصبحت ضيقة، وأنها لن تعود قادرة على مشاهدة التلفاز، قال لها «كاف»: «ارفعي الصوت، ما في داعي للصورة» إلا أن والدته لم تقتنع حتى أُجبر «كاف» على إنهاء الجدال ببيت شعرٍ لعنترة قائلاً:

Ad

لا تَسقِني ماءَ الحَياةِ بِذِلَّةٍ

بَل فَاِسقِني بِالعِزِّ كَأسَ الحَنظَلِ

وبعد الانتهاء من السور الثاني داخل الصالة، صعد «كاف» إلى غرفته ليرتاح قليلاً، إلا أن عادة والدته في متابعة محطات تلفزيونية مشبوهة دفعت «كاف» إلى التفكير في تشييد سور ثالث داخل داره، فبدأ البناء على الفور، وبفضل حماسه الشديد وبراعة أصابعه الصناعية الجديدة، لم تمضِ ساعات قليلة حتى أغلق بإتقان جميع النوافذ والمخارج، بل وبنى بدل الجدار الواحد جدراناً متعددة، بحيث تحول منزله إلى متاهة يستحيل الدخول إليها أو الخروج منها إلا بخريطة وفانوس.

ولم تمضِ ساعات قليلة حتى بدأ «كاف» يشعر بالجوع الشديد، فأخذ ينادي دون جواب وراح يبحث عن المخرج بلا جدوى. وبهذه الطريقة بقي «كاف» داخل متاهته، لا يأكل ولا يشرب، يردد فقط اسمه منادياً: «كاف... كاف... كاف...»... وينصت إلى صدى الحروف الثلاثة، وهي تتضاعف: ثلاثة، ثم ستة، ثم اثنا عشر، ثم أربعة وعشرون... وتتكرر إلى الأبد داخل المتاهة العجيبة التي صنعها بيديه الجديدتين.

***

حاشية:

* يتوجب علينا هذا الإيضاح الجغرافي حول جبل مون بلانك، الذي قد يراه البعض تكلفاً، إلا أنه يبدو لنا ضرورياً نتيجة صعوبات السفر وانخفاض مستويات التعليم العام الناتجة عن الظروف الراهنة.

كما أننا نود أن ننوه إلى أن الإشارة إلى المعجزة الطبيعية التابعة للدولتين الصديقتين فرنسا وإيطاليا، ومقاربته بجبل النفايات في شارع محلي افتراضي لا يهدف إلى الإساءة للدول الصديقة أو تعكير صفو العلاقات معها. ويهمنا أن نعبر عن كامل تقديرنا لأجبانهم اللذيذة وملابسهم الفاخرة وسياراتهم الفخمة وطائراتهم الحربية وكل ما يربطنا بهم.

كما يهمنا بيان أن فعل بناء الجدران والأسوار التي يقوم بها بطلنا ليست إشارة مبطنة إلى أي أحداث تاريخية محلية، وأي تشابه معها هو من محض الصدفة وسوء الحالة العقلية للبطل نفسه.

كما نود إدانة طريقة تعامل هذا المواطن ناقص العقل مع والدته، وكل ما بدر منه من تعال وعنصرية تجاه العمال الأجانب، كما أن لدينا شكوكاً جدية في أن الشهادات التي يدعي امتلاكها مضروبة وجار التدقيق بها، رغم ادعائه الثقافة وترديده لشعر عنترة.

كما ندين كذلك علاقته المشبوهة مع المدعو الجراح الفذ واهب الأصابع الصناعية، ولا نستبعد -وإن كنا لا نطعن في النوايا- أن يكون «كاف» على تواصل مع جهات خارجية مشبوهة، ونرصد عن قرب تحركاته بحثاً عن المزيد من الأدلة، وتمهيداً لتقديم ملف كامل للسلطات المعنية، خصوصاً بعد تشكيكه في أبناء فريجه وقطيعته معهم، وتعنيفه لأطفالهم لفظياً.